«تجربة توسكيجي» سيئة السمعة.. هل يُوشك التاريخ على إعادة نفسه في أمريكا؟
أثار مقترح بحثي جديد تدعمه وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأميركية موجة غضب حادة, وشبه المنتقدون المقترح الجديد بتجربة توسكيغي سيئة السمعة التي أُجريت في الولايات المتحدة بين عامي 1932 و1972.
ويشعل الجدل وزير الصحة الأميركي روبرت إف. كينيدي جونيور، المعروف بتشكيكه في اللقاحات، والذي خصص 1.6 مليون دولار لدراسة تتعلق بلقاح التهاب الكبد الوبائي " بي".
وتقترح الدراسة إجراء تجربة على نحو 14 ألف طفل حديثي الولادة في غينيا بيساو بغرب إفريقيا، حيث تنتشر عدوى التهاب الكبد الوبائي "بي" بمعدلات مرتفعة. وبموجب الخطة، يحصل نصف الأطفال على اللقاح عند الولادة، بينما يؤجل تطعيم النصف الآخر إلى عمر ستة أسابيع.
ووفق وثيقة صادرة عن وزارة الصحة الأميركية، تهدف الدراسة إلى "تنفيذ تجربة عشوائية محكومة لتقييم تأثير تطعيم حديثي الولادة ضد التهاب الكبد B على معدلات الوفيات والأمراض في المراحل المبكرة من الحياة، إضافة إلى النتائج الصحية والتنموية طويلة الأمد".
ويأتي هذا المقترح رغم أن الأمم المتحدة توصي منذ عام 2009 بإعطاء لقاح التهاب الكبد " بي" عند الولادة، كما طبقت الولايات المتحدة هذا الإجراء منذ عام 1991، ما أسهم في خفض كبير لمعدلات الإصابة.
وكانت غينيا بيساو قد أعلنت نيتها تعميم التطعيم عند الولادة لجميع الأطفال بدءا من عام 2027. غير أن تنفيذ الدراسة يعني تعريض نحو 7 آلاف طفل لتأخير التطعيم، وما يحمله ذلك من مخاطر صحية.

وفي هذا السياق، حذر طبيب الأطفال الأميركي المتخصص في الأمراض المعدية واللقاحات بول أوفيت من أن الأطفال الذين لا يتلقون اللقاح عند الولادة "يواجهون احتمالًا يصل إلى 90% للإصابة بتشمع الكبد أو سرطان الكبد لاحقا في الحياة». وذهب أوفيت إلى حد تشبيه الدراسة المقترحة بـ"تجربة توسكيغي جديدة"، معتبرا أن السماح بتأخير لقاح معروف الفاعلية يشكل خطرا أخلاقيا وصحيا جسيما.
وتُعد تجربة توسكيغي واحدة من أكثر الصفحات قتامة في تاريخ البحث الطبي الأميركي، إذ أُجريت دون موافقة مستنيرة على 600 رجل أسود في ولاية ألاباما، بهدف دراسة التطور الطبيعي لمرض الزهري من دون علاج. واستمرت التجربة لعقود، حتى بعد اكتشاف البنسلين كعلاج فعال، ما أدى إلى وفاة عشرات المشاركين وإصابة زوجاتهم وأطفالهم، قبل أن تُكشف الفضيحة عام 1972.
ويرى منتقدو الدراسة الجديدة أن أوجه الشبه تكمن في تعريض فئة ضعيفة لمخاطر مرض يمكن الوقاية منه بلقاح متوافر، بحجة البحث العلمي. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن التطعيم ضد التهاب الكبد " بي" خفض معدلات العدوى المزمنة لدى الأطفال من 8–15% إلى أقل من 1% في الدول التي تطبقه بانتظام.
وبحسب أوفيت، فإن كينيدي جونيور يعتبر تأجيل تطبيق التطعيم الشامل عند الولادة «فرصة» لاختبار فرضيته حول وجود آثار عصبية طويلة الأمد للقاح، رغم أن أكثر من 30 عاما من التجربة في الولايات المتحدة لم تثبت صحة هذه الادعاءات.
ولا يزال مصير الدراسة غير محسوم حتى الآن، إلا أن الجدل المتصاعد يعيد إلى الواجهة أسئلة أخلاقية حساسة حول حدود البحث العلمي، وحماية الفئات الضعيفة، واستخدام اللقاحات المثبتة علميا في التجارب الطبية.