لم تعد مكالمة الفيديو دليلاً.. الذكاء الاصطناعي يفتح عصر الهويات المزيفة
في عام 2025، استخدمت مجموعة قرصنة كورية شمالية تُدعى «بوتريد سلاغ» تقنية التزييف العميق للفيديوهات والصوتيات، لانتحال شخصيات مسؤولين تنفيذيين في شركات خلال مكالمات عبر تطبيق زووم، بهدف خداع موظفي التقنية وإجبارهم على تحميل برامج خبيثة.
ومثّلت هذه الممارسات مثالًا صارخًا على الهندسة الاجتماعية المتطرفة، حيث يتلاعب المهاجمون نفسيًا بالأفراد لدفعهم نحو أفعال معينة أو إفشاء معلومات حساسة، مما مكّنهم في هذه الحالة من ارتكاب عمليات سرقة مالية.
وباستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة لإنشاء شخصيات وهمية فائقة الواقعية أو نسخ طبق الأصل من الأشخاص الحقيقيين، بات بإمكان المخترقين الوصول غير المصرح به إلى البيانات الخاصة والبيئات الآمنة.
ووفقًا لتقرير التهديدات الصادر عن شركة "كلاود فلير" عام 2026، تُعدّ "بوتريد سلاغ" واحدة من ثلاث مجموعات قرصنة كورية شمالية نجحت في "تطوير" استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي على نطاق واسع.
الذكاء الاصطناعي غيّر اقتصاديات المهاجمين السيبرانيين
ويقول الباحث الرئيسي في مجال الأمن السيبراني ومنصة Pluralsight التعليمية التقنية، ماثيو لويد ديفيز، لصحيفة "فايننشال تايمز"، "تنجح الهندسة الاجتماعية لأنها تستغل نفس الضغوط البشرية التي لطالما استغلتها: الإلحاح، والسلطة، والثقة، والخوف، والارتباك، مما يُولّد ردود فعل عاطفية فورية".
لكنه يضيف أن الذكاء الاصطناعي "غيّر اقتصاديات المهاجمين"، إذ جعل تنفيذ الهجمات المعقدة أسهل وأقل تكلفة.
وانتهى زمن الجهود العشوائية واسعة النطاق باستخدام رسائل بريد إلكتروني ركيكة مليئة بالأخطاء الإملائية والمغالطات الثقافية الصارخة.
فبدلاً من ذلك، تُتيح نماذج اللغة الضخمة وأدوات توليد النصوص للمهاجمين توسيع نطاق تواصلهم ليصبح شخصيًا وجذابًا، بتكلفة أقل من أي وقت مضى.
ومن خلال استخراج البيانات من "لينكدإن"، ومواقع الشركات الإلكترونية، وغيرها من الملفات العامة، يستطيع المهاجمون إنشاء رسائل بريد إلكتروني مُخصصة للغاية قد تُضلل المستخدم للنقر على رابط خبيث -وهو أسلوب يُعرف بالتصيد الاحتيالي.
وحتى المتسللين الذين لا يملكون خبرة تقنية يمكنهم استخدام مساعدي البرمجة بالذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات المسروقة وبناء ملفات تعريف الضحايا لاستهداف الأشخاص بعد ذلك.
ارتفاع هجمات التصيد
وبحسب تقرير بيانات من مجموعة الأمن السيبراني "ديب سترايك"، ارتفعت هجمات التصيد الاحتيالي بنسبة 1265% في عام 2025، ويعزى ذلك إلى نمو أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
ويقول كبير مسؤولي التكنولوجيا في مجموعة "أوبن جير" للشبكات، دوغلاس وادكينز: "يعرف المهاجمون هيكل مؤسستك، ومورديك، وأساليب تواصل مديريك التنفيذيين قبل إرسال أي رسالة".
ويضيف كبير باحثي الذكاء الاصطناعي في مجموعة "سنتينل وان" للأمن السيبراني، غابرييل برناديت-شابيرو: "يكمن التحول الأهم في كيفية مساعدة الذكاء الاصطناعي للمهاجمين على تطوير العمليات الداخلية لعمليات الاحتيال، والنمط الملحوظ هو استخدام الذكاء الاصطناعي في جميع مراحل سلسلة التوريد الخاصة بالاحتيال".
وإضافةً إلى رسائل البريد الإلكتروني التصيدية، يُعزز الذكاء الاصطناعي بشكل كبير ابتكار عمليات احتيال أكثر تعقيدًا تستخدم تقنية التزييف العميق -الأصوات والصور المُستنسخة أو المُزيفة.
ويشمل ذلك ما يُسمى بـ"طُعم المشاهير"، أي إنشاء إعلانات مُزيّفة باستخدام نسخ مُولّدة بالذكاء الاصطناعي من المشاهير للتلاعب بالضحايا، وصولاً إلى مُتقدّمين وهميين يظهرون في مقابلات فيديو مُعدّلة لوظائف عن بُعد، بهدف اختراق أنظمة الشركات.
ويقول مدير قسم استخبارات التهديدات في مجموعة الأمن F5، ديفيد واربورتون: "لقد تجاوزنا رسميًا العتبة التي لم تعد فيها مكالمة الفيديو المباشرة دليلاً على وجود شخص حقيقي. يُنفّذ المُهاجمون عمليات تجسس إلكتروني وانتحال هوية مُتقنة وفورية عبر منصات مثل زووم".
ويُشير مُحلّلو الأمن السيبراني إلى ازدياد عدد المُخترقين الذين يُنشئون شخصيات كاملة بخلفيات مُفصّلة، أو ما يُسمى بالهويات المُصطنعة، بهدف تنفيذ عمليات احتيال أو تجسس لاحقًا.
ووفق كبير مسؤولي المنتجات والتكنولوجيا في مجموعة التحقق من الهوية GBG، غاس توملينسون، "تتجه الهندسة الاجتماعية نحو الهوية كهدف رئيسي، وتبرز الهويات المُصطنعة كأحد أكثر التهديدات تعقيدًا التي يصعب التصدي لها". ويضيف أن هذه الهويات قد "تفتح حسابات، وتبني تاريخاً، وتكتسب ثقة".