«إير أمريكا».. أرشيف الحرب الباردة غير المعلن
على مدى ثلاثة عقود كاملة، ظلت "إير أمريكا" واحدة من أكثر العمليات السرية إحكاماً في تاريخ الولايات المتحدة، إذ نجحت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في تشغيل شركة طيران مدنية ظاهرها النقل الجوي وباطنها تنفيذ مهام استخباراتية وعسكرية معقدة.
وبينما كان آلاف الركاب يستقلون طائراتها في آسيا، لم يكن معظمهم يعلم أن الشركة مملوكة سراً لوكالة الاستخبارات الأمريكية، كما أن آلاف العاملين فيها، من طيارين وفنيين وموظفين لوجستيين، لم يكونوا يدركون طبيعة الجهة الحقيقية التي تقف وراء المؤسسة التي يعملون لديها، وفقا لموقع قناة هيستوري.
تعود جذور القصة إلى السنوات الأولى للحرب الباردة، عندما كانت واشنطن تبحث عن وسيلة تسمح لها بالتدخل في مناطق النزاع الحساسة دون الظهور المباشر على المسرح.
ومن هذا الاحتياج وُلدت شركة "النقل الجوي المدني" التي تحولت لاحقاً إلى "إير أمريكا"، لتصبح الذراع اللوجستية غير المعلنة للسياسة الأمريكية في شرق وجنوب شرق آسيا.
وعلى امتداد سنوات نشاطها، امتدت عملياتها من كوريا إلى فيتنام ولاوس وكمبوديا، حيث نفذت مهام نقل وإمداد وإجلاء في مناطق كان الوجود العسكري الأمريكي الرسمي فيها إما محدوداً أو محظوراً بالكامل.

لم تقتصر مهام الشركة على نقل الأفراد والبضائع، بل شملت شحن الذخائر والمؤن وإجلاء المدنيين واللاجئين، بل والمشاركة في بعض العمليات القتالية غير المباشرة.
وخلال حصار ديان بيان فو عام 1954، شاركت طائراتها في عمليات دعم للقوات الفرنسية ضد قوات "الفيت مين"، فيما ظلت هوية الجهة المشغلة للشركة طي الكتمان.
وكان العاملون فيها يتعلمون سريعاً أن بعض الأسئلة لا ينبغي طرحها، خصوصاً ما يتعلق بملكية الطائرات أو طبيعة تسجيلها القانوني.
ويذكر الطيار السابق ألين كيتس، الذي انضم إلى الشركة عام 1966 بعد خدمته في مشاة البحرية الأمريكية، أنه عندما سأل عن سبب عدم تسجيل الطائرات لدى إدارة الطيران الفيدرالية، تلقى إجابة مقتضبة مفادها أن طرح مثل هذه الأسئلة قد يؤدي إلى فقدان وظيفته.

بلغ الدور السري للشركة ذروته في لاوس، التي تحولت خلال ستينيات القرن الماضي إلى ساحة حرب خفية بين الولايات المتحدة والقوى الشيوعية. فبموجب اتفاقيات جنيف لعام 1962، كان الوجود العسكري الأمريكي المباشر في البلاد محظوراً، ما جعل "إير أمريكا" الأداة المثالية لإدارة العمليات بعيداً عن الأضواء.
هناك، عمل الطيارون المدنيون في ظروف بالغة الخطورة، مستخدمين مهابط بدائية محفورة بين الجبال، ومواجهين أحوالاً جوية قاسية واحتمالات دائمة للتعرض لإطلاق النار.
وبرغم أنهم لم يكونوا يحملون صفة عسكرية رسمية، فإن طبيعة عملهم لم تختلف كثيراً عن مهام الطيارين العسكريين الذين كانوا يقاتلون في الجبهات المفتوحة.
وفي أبريل/نيسان 1975، وجدت "إير أمريكا" نفسها في قلب واحدة من أكثر اللحظات درامية في تاريخ الحرب الفيتنامية. فمع اقتراب سقوط سايغون بيد القوات الفيتنامية الشمالية، تعثرت عمليات الإجلاء الرسمية، وأصبحت المروحيات العسكرية الأمريكية غير قادرة على الوصول إلى كثير من المواقع المكتظة بالمدنيين.
عندها تولى طيارو الشركة السرية جانباً كبيراً من عمليات الإنقاذ، فنفذوا مئات الرحلات الجوية بين أسطح المباني ومناطق التجمع، قبل نقل الفارين إلى السفن الأمريكية قبالة الساحل.
كما شاركوا في إجلاء مئات الفيتناميين سراً تحت غطاء نقل الصحفيين الأمريكيين، ليساهموا في واحدة من أكبر عمليات الإجلاء الجوي في التاريخ الحديث.
لكن تاريخ الشركة لم يخلُ من الجدل. ففي عام 1972، أثار الباحث الأمريكي ألفريد مكوي عاصفة من الاتهامات بعدما نشر كتاباً اتهم فيه "إير أمريكا" بالتورط في نقل الأفيون من مناطق الإنتاج في شمال لاوس إلى قواعد محلية مرتبطة بحلفاء واشنطن.
وتحولت هذه المزاعم إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ الشركة، خصوصاً مع انتشار روايات ربطت بين الحرب السرية الأمريكية وتجارة المخدرات في المنطقة.
في المقابل، رفض العديد من العاملين السابقين تلك الاتهامات بشكل قاطع. فقد أكد الطيار ألين كيتس أن القواعد التشغيلية للشركة كانت صارمة إلى درجة تجعل من الصعب تنفيذ مثل هذه الأنشطة دون اكتشافها، بينما أقر مسؤولون سابقون بأن بعض الحلفاء المحليين ربما استخدموا الطائرات لنقل بضائع غير قانونية دون علم الطواقم الأمريكية.

كما دعمت وثائق رفعت وكالة المخابرات المركزية السرية عنها لاحقاً الرواية الرسمية، إذ أكدت أن سياسة الشركة لم تسمح مطلقاً بدعم أو تسهيل عمليات تهريب المخدرات، مع الإشارة إلى واقعة موثقة واحدة فقط عام 1968 اتُخذت على إثرها إجراءات تأديبية بحق المتورطين.
وبعيداً عن الجدل، يبقى الثمن الإنساني الذي دفعه العاملون في الشركة أحد أكثر جوانب القصة إيلاماً. فقد قُتل 146 موظفاً أثناء تنفيذ مهامهم، جميعهم كانوا مدنيين غير مسلحين رسمياً.
وكان الطيارون يهبطون في مناطق قتال وينقلون الجرحى واللاجئين تحت النيران، فيما ظل كثير منهم يحمل ذكريات قاسية عن مشاهد الحرب التي رافقتهم طوال حياتهم.
ورغم هذه التضحيات، وجد العاملون السابقون أنفسهم بعد حل الشركة رسمياً عام 1976 أمام واقع مختلف. فالحكومة الأمريكية رفضت الاعتراف بهم كموظفين فيدراليين، وحرمتهم وأسرهم من الامتيازات التي يحصل عليها عادة العسكريون أو العاملون الحكوميون الذين يخدمون في مناطق النزاع.

وظل أرامل القتلى والمصابون والناجون من العمليات الخطرة خارج منظومة التعويضات لعقود طويلة، بسبب تمسك وكالة المخابرات المركزية بسياسة الإنكار التي رافقت المشروع منذ تأسيسه.
وبعد سنوات من الضغوط والحملات التي قادها أفراد عائلات العاملين السابقين، شهد عام 2023 تطوراً مهماً عندما وافقت وكالة المخابرات المركزية على التعاون مع لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ لصياغة تشريع يمنح موظفي "إير أمريكا" السابقين بعض المزايا الفيدرالية المستحقة.
ورغم أن المشروع لا يزال يمر بمراحل المراجعة التشريعية، فإنه يمثل أول اعتراف رسمي فعلي بالدور الذي أداه هؤلاء الرجال والنساء في خدمة المصالح الأمريكية خلال الحرب الباردة.
وبينما تواصل الوثائق السرية التي يُكشف عنها تباعاً إلقاء الضوء على تفاصيل تلك الحقبة، تبقى "إير أمريكا" مثالاً فريداً على الحروب التي خاضتها واشنطن في الظل، حيث نفذ مدنيون مهام عسكرية واستخباراتية بالغة الخطورة تحت ستار شركة طيران تجارية، ثم عادوا لعقود طويلة دون تكريم أو اعتراف رسمي، رغم أنهم كانوا جزءاً من واحدة من أكثر العمليات السرية تأثيراً في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية.