الطائرة الرئاسية المتقاعدة «سام 26000».. تاريخ أمريكا على جناحين

الطائرة الرئاسية ليست مجرد وسيلة نقل كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل هي رمز سياسي وعسكري يجسد مكانة الولايات المتحدة في الداخل والخارج.
تشكل هذه الطائرة جانب إلى السيارة الرئاسية المصفحة "ذا بيست" والمروحية مارين وان، إحدى أدوات السلطة التي تفرض من خلالها واشنطن هيبتها في أي مكان تهبط فيه.
ورغم خروج سام 26000 من الخدمة منذ أكثر من ربع قرن، إلا أن رمزيتها لا تزال حاضرة، لأنها ارتبطت بلحظات صنعت ملامح التاريخ الأمريكي الحديث.
وقد وصفها نائب الرئيس الأمريكي آل غور عند تقاعدها الطائرة الرئاسية عام 1998: "لو كان للتاريخ أجنحة، لكانت هذه الطائرة".
وبحسب موقع مجلة بيزنس إنسايدر فقد كانت هذه أول طائرة نفاثة تُصمَّم وتُبنى خصيصًا للرؤساء الأمريكيين. دخلت الطائرة الخدمة عام 1962 وظلت تحلق حتى عام 1998، حاملةً على متنها ثمانية رؤساء متعاقبين من جون كينيدي وحتى بيل كلينتون، قبل أن تُحال إلى التقاعد وتُعرض بشكل دائم في المتحف الوطني للقوات الجوية الأمريكية بمدينة دايتون في ولاية أوهايو، حيث لا تزال تستقطب آلاف الزوار سنويا.
بدأت قصة الطائرة بمأساة كبرى في التاريخ الأمريكي. فقد بُنيت طائرة بوينغ في سي-137 سي خصيصا للرئيس جون كينيدي، وهي نسخة معدلة من طائرة الركاب المدنية بوينغ 707-320.
وقد أشرفت السيدة الأولى جاكلين كينيدي، بالتعاون مع المصمم الشهير ريمون لوي، على وضع لمساتها الجمالية، فاختارت اللونين الأزرق والأبيض لهيكلها، وأصرت على كتابة عبارة "الولايات المتحدة الأمريكية" بخط بارز على جانبها لتكون رمزًا لهوية الأمة.
لكن الطائرة سرعان ما ارتبطت بالحادث الأكثر مأساوية في القرن العشرين، حين أقلّت جثمان كينيدي من دالاس بعد اغتياله في نوفمبر/ تشرين الثاني 1963، وشهدت على متنها أداء نائبه ليندون جونسون اليمين الدستورية ليصبح رئيسا للبلاد بينما وقفت جاكلين كينيدي بجواره ببذلتها الوردية الملطخة بدماء زوجها.
ويضم المعرض أيضا طائرات أخرى خدمت في رحلات رئاسية سابقة مثل دوغلاس في سي-54 سي المعروفة بلقب "البقرة المقدسة".
وبمجرد دخول الطائرة، يبدأ الزائر جولته من قمرة القيادة التي كانت تتطلب وجود أربعة أفراد لتشغيلها: القائد، والمساعد، والملاح، ومهندس الطيران، قبل أن تختصر التكنولوجيا الحديثة هذه المهام في طائرات لاحقة.
وعلى امتداد المقصورة، تتكشف تفاصيل دقيقة عن طبيعة المهمات الرئاسية. فقد جُهزت الطائرة بمركز اتصالات آمن يمكّن الرئيس من إجراء مكالمات مع أي مكان في العالم وهو في الجو، إضافة إلى مطبخ يحتوي على موقد وفرن وحوض لإعداد الوجبات.
أما المقاعد المخصصة للطاقم والإعلاميين، فتسع لما يقارب أربعين شخصًا من موظفين وصحفيين وحرس رئاسي، وتزينها شعارات الثعلب في إشارة إلى الجناح الجوي 89 المكلّف بمهام الطيران الرئاسي.
ويحتل الجناح الرئاسي الجزء الأكثر هدوءا من الطائرة، فوق الأجنحة بعد تعديل الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1969. ويضم هذا الجناح مكتبا مزودًا بهاتفين، إضافة إلى غرفة نوم صغيرة تضم أريكة وتلفازا وحماما خاصا.
كان الرؤساء يستخدمون الهاتف الأبيض للتواصل مع أفراد الطاقم والركاب الآخرين على متن الطائرة، بينما كان الهاتف البيج يُستخدم للاتصال بأي مكان في العالم.
كما توجد قاعة اجتماعات بمقاعد فخمة وطاولة قابلة للطي، فضلا عن مكتب مجهز بآلة كاتبة وخريطة للولايات المتحدة حيث كان الرؤساء يراجعون خطبهم وقراراتهم. وفي هذا المكان تحديدا، أدى جونسون اليمين الدستورية، في مشهد أصبح محفورا في ذاكرة التاريخ الأمريكي.
وتحمل الطائرة أيضا بين جدرانها ذكريات استثنائية. فخلال رحلة العودة من دالاس، اضطر جهاز الخدمة السرية إلى إزالة أربعة مقاعد من مؤخرة الطائرة لإفساح المجال لإدخال تابوت كينيدي، بل كُسرت مقابض النعش ليتمكنوا من إدخاله عبر الباب الضيق.
كما خُصصت المقصورة الخلفية لطاقم الأمن الرئاسي، حيث جُهزت بمقاعد وهواتف لتأمين الاتصالات والمهام الميدانية. أما الذيل، فيحمل علم الولايات المتحدة المرسوم بطريقة تجعل النجوم تتجه دائما نحو المقدمة التزاما بقانون العلم الأمريكي.
الطائرة الرئاسية ليست مجرد وسيلة نقل كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل هي رمز سياسي وعسكري يجسد مكانة الولايات المتحدة في الداخل والخارج. فهي، إلى جانب السيارة الرئاسية المصفحة "ذا بيست" والمروحية مارين وان، إحدى أدوات السلطة التي تفرض من خلالها واشنطن هيبتها في أي مكان تهبط فيه. ورغم أن سام 26000 خرجت من الخدمة منذ أكثر من ربع قرن، إلا أن رمزيتها لا تزال حاضرة، لأنها ارتبطت بلحظات صنعت ملامح التاريخ الأمريكي الحديث.