«أجاكس» البريطانية.. نيران صديقة تفقد الجنود السمع والحكومة تصم آذانها
رغم معاناة أكثر من 160 جنديًا من فقدان السمع، جراء استخدامهم المركبات المدرعة المثيرة للجدل من طراز «أجاكس»، تصم الحكومة البريطانية آذانها عن الأزمة، مؤكدة المضي قدمًا في البرنامج الذي قيمته 6.3 مليار جنيه استرليني.
وبحسب أرقام حصلت عليها صحيفة «ذا تليغراف»، عانى أكثر من 160 عسكريًا من درجات متفاوتة من فقدان السمع، وصلت في بعض الحالات إلى الصمم التام، وذلك إثر ركوبهم دبابات أجاكس.
وعلى الرغم من هذه النتائج، يصمم وزراء حزب العمال على المضي قدمًا في برنامج «أجاكس» المثير للجدل البالغة قيمته 6.3 مليار جنيه استرليني، على ما يُفيد، وذلك على ما يبدو لإنقاذ فرص العمل في ميرثر تيدفيل، المدينة العمالية التعدينية التي طالما اعتُبرت معقلًا انتخابيًا حاسمًا للحزب.
وتُصنَّع هذه المركبات من قِبل شركة «جنرال داينامكس» الأمريكية للصناعات الدفاعية، بتكلفة تبلغ عشرة ملايين جنيه استرليني للوحدة الواحدة. وكان مقررًا أن يشكّل أسطول أجاكس «رأس الرمح» في القوات المسلحة البريطانية، على أن يُرسلها رئيس الوزراء كير ستارمر إلى أوكرانيا ضمن قوة لحفظ السلام.
غير أن المشروع تورط في جدل واسع منذ أن تبين عام 2021 أن أكثر من 300 جندي بحاجة إلى إجراء فحوصات سمعية إثر ركوبهم هذه المركبات.
وتُظهر الأرقام التي حصلت عليها «ذا تليغراف» أن 166 جنديًا خضعوا للتقييم منذ عام 2016، وقد وثّق الأطباء الإكلينيكيون لاحقًا إصابتهم بدرجات متفاوتة من فقدان السمع، بما في ذلك الصمم التام.
وقال فيليب إنغرام، العقيد المتقاعد الذي تعامل مع مشروع «أجاكس» في مراحله الأولى عام 2011: «إن ثبوت حالات مؤكدة يعود تاريخها إلى تلك الفترة المبكرة يدل على أن سلسلة القيادة أغمضت عينيها عن المشكلات التي ألحقها هذا البرنامج بأفرادها».
واتهم إنغرام وزارة الدفاع بأن صحة العسكريين لم تكن «أولويتها القصوى»، مؤكدًا أن الاستمرار في البرنامج «ينمّ عن تعتيم ممنهج».
وبحلول نهاية عام 2021، كان الأطباء الإكلينيكيون قد وثّقوا 67 حالة فقدان سمع. ومع ذلك، مضت وزارة الدفاع في إجراء مشتريات إضافية من «جنرال داينامكس»، إذ اقتنت 100 مركبة مدرعة من طراز «بوكسر» في أبريل/نيسان 2022.
ومنذ ذلك الحين، وثّق الأطباء 99 حالة جديدة، بينها 41 حالة في عام 2025 وحده، وهو أعلى رقم يُسجَّل في أي عام على الإطلاق.
ومن الصعب تحديد السبب المباشر لفقدان السمع لدى كل جندي على حدة، إذ لا تُدوَّن مسببات الحالات في السجلات الطبية العسكرية بصورة منتظمة. فضلًا عن ذلك، يتعامل الجنود يوميًا مع معدات صاخبة تشمل الأسلحة الخفيفة ومركبات مدرعة أخرى، مما يجعل إسناد أي تدهور في الصحة إلى قطعة معدات بعينها أمرًا عسيرًا.
تساؤلات محرجة
بيد أن هذه النتائج تطرح تساؤلات «محرجة» أمام وزارة الدفاع، لا سيما أن جنودًا «خاطروا بالمثول أمام المحكمة العسكرية» للكشف عن تفاصيل القصور الذي يعتري البرنامج.
وبدأت التسريبات تتصاعد في أواخر العام الماضي، إثر إصابة جنود كانوا يشاركون في مناورة حربية على سهل سالزبري بالغثيان والقيء بعد ركوبهم هذه المركبات. وأظهرت مقاطع مصورة انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي جملةً من الأعطال، من ارتخاء الألواح المعدنية إلى تسرب المياه داخل الهيكل المدرع الذي طُوِّق بوصف «الأفضل في العالم».
وشكّلت هذه المعطيات مصدر إحراج بالغ للوزير الدفاع لوك بولارد، الذي استعرض أسطول أجاكس وأعلن أن المركبات «آمنة» في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أي قبل أسابيع قليلة فحسب من تلك المناورات.
وقد أُقيل منذ ذلك الحين المسؤول المدني المشرف على البرنامج، فيما طالب أعضاء البرلمان مسؤولًا سابقًا عن الأسلحة أشرف على المشروع بإعادة 325 ألف جنيه استرليني صرفت له في صورة مكافآت.

وقال مارك فرانسوا، المتحدث الظل لشؤون القوات المسلحة، إن سلامة الجنود «يجب أن تكون المعيار الأعلى في قرارات الحكومة المتعلقة بمستقبل هذا البرنامج الذي تبلغ قيمته مليارات الجنيهات».
وأضاف فرانسوا: «نقول منذ أشهر إنه في ضوء التاريخ الحافل بالإشكاليات لمركبة أجاكس، يتعين على الوزراء الآن أن يحسموا أمرهم: إما إصلاحها أو إسقاط البرنامج نهائيًا».
ضوء أخضر
وأردف: «نأمل بصدق أن يكون هذا القرار -المتعلق بإضاءة الضوء الأخضر لبرنامج أجاكس- بمعزل تام عن حقيقة أن حزب العمال يتراجع في استطلاعات الرأي، وأننا على بُعد أقل من شهرين من انتخابات الجمعية الوطنية الويلزية».
وأفادت وزارة الدفاع بأن أقل من خمسة أفراد من الجيش النظامي أُحيلوا إلى التقاعد الطبي بسبب فقدان السمع منذ استخدامهم مركبات «أجاكس» لأول مرة.
كما أوضحت أن سجلات الجنود الموثقة بحالات فقدان السمع جراء استخدام أجاكس لا تُميّز بين من كانت لديهم إشكاليات سمعية مسجلة مسبقًا قبل قيادة هذه المركبات.
وصرّح المتحدث باسم وزارة الدفاع: «إذا أردنا لمقاتلينا أن يكونوا على أهبة الاستعداد للقتال والانتصار، فلا بد من تزويدهم بالمعدات المناسبة، وتسليمها بالسرعة اللازمة، مع إدارة سلامتهم بالشكل الملائم. غير أن سلامة أفرادنا تبقى أولويتنا القصوى - هذا هو المعيار الذي تستحقه قواتنا المسلحة، وهو المعيار الذي ستلتزم به هذه الحكومة».
وأكدت شركة «جنرال داينامكس المملكة المتحدة»، أن لديها «ثقة كاملة بأداء مركبة أجاكس والحماية التي توفرها للجنود»، واصفةً إياها بأنها «أكثر مركبات القتال المدرعة تقدمًا وتحولًا رقميًا في العالم».
وقال المتحدث باسم الشركة إن سلامة الجنود تمثل «أعلى أولوياتها»، مشيرًا إلى أن التقارير الأولية بشأن مخاوف الضوضاء والاهتزاز التي رفعها الجنود قبل أكثر من خمس سنوات أفضت إلى «تحقيق تقني مفصّل ومنهجي».
وأضاف أن الشركة أجرت منذ عام 2023 «تجارب مكثفة لتنمية الموثوقية لرصد مستويات الضوضاء والاهتزاز»، مؤكدًا: «طوال هذه التجارب، تخضع الطواقم باستمرار للتقييم الصحي وتقديم ملاحظاتهم حول المركبة من قِبل وزارة الدفاع والجيش البريطاني وجنرال داينامكس وخبراء مستقلين. وفي جميع الأوقات، أثبتت هذه التجارب أن المركبة تعمل بأمان لا يقبل الجدل».
وختمت: «جنرال داينامكس المملكة المتحدة» بيانها مؤكدةً أنها «ملتزمة بتسليم هذه القدرة المهمة إلى الجيش البريطاني ووزارة الدفاع لدعم دور المملكة المتحدة في حلف الناتو».