هل هناك قانون يمنع الرقص يا سادة؟ قراءة في وصية «الأفوكاتو» الأخيرة
يبدأ فيلم "الأفوكاتو" بكادر لا يحيي بطلا، بل يصفع "ناجيا". يستيقظ حسن سبانخ في غرفة ضيقة يتقاسمها " مع زوجته "عطية"، ليجد العالم في الخارج قد لفظ أحشاءه.
في اللحظة التي يفتح فيها سبانخ عينيه، لا يواجه العالم بوقار المحامي، بل يواجه حقيقة الوجود اليومي: صنبور يقطر، جدران متآكلة، وصوت شخير زوجته"عطية"، مجار طافحة تحاصر عتبة البيت. في تلك اللحظة، لا نرى فيلما كوميديا، بل نرى "مانيفستو العبث" . سبانخ الذي يوازن جسده فوق قوالب الطوب، محاولا العبور ببدلته الأنيقة وسط الوحل، هو التجسيد الأصدق لإنسان ما بعد الهزيمة.
إنه ليس بطلا بالمعنى التقليدي، فالبطل يغير العالم، أما سبانخ فقد تعلم كيف لا يغرق فيه. الفرق بينهما هو الفرق بين "الثورة" و"التكيف". فالطريق إلى "محراب العدالة" يبدأ بقفزة فوق البالوعات.
في هذا الفيلم، أعلن رأفت الميهي طلاقه للواقعية الكلاسيكية. أدرك أن الواقع فقد منطقه لدرجة أن تصويره بشكل "منطقي" أصبح هو العبث بعينه. كيف يمكن التعبير عن مجتمع تتغير قواعده قبل أن يجف حبر كتابتها؟ هنا، لم يكن التحول إلى العبث خيارا جماليا، بل كان موقفا فكريا. العبث عند الميهي ليس هروبا، بل هو "غوصٌ" أعمق في الحقيقة؛ هو المرآة المشروخة التي تعكس وجها لم يعد يحتمل التجميل.

سبانخ وكامو.. مأساة "سيزيف"
في ضوء فلسفة ألبير كامو يمكن قراءة سبانخ كـ "إنسان عبثي" بامتياز. كامو يرى العبث كصدام بين رغبة الإنسان في المعنى وصمت العالم القاسي. سبانخ يدرك هذا الصمت؛ يدرك أن العدالة ليست عادلة، والقانون ليس منصفا، والنجاح ليس نظيفاً. ومع ذلك.. يستمر.
لا ينتحر، ولا ينكسر، بل يختار "اللعب". هذا ما يسميه كامو "التمرد الصامت". سبانخ لا يرفض العالم، بل يرفض أن يأخذه على محمل الجد. حين يسأل في قاعة المحكمة: «هل هناك قانون يا سادة يمنع الرقص؟»، هو لا يطلب إذنا، بل يفجر زلزالا معرفيا يضرب بنية المؤسسة. الرقص هو "اللغة البديلة" حين تصبح النصوص القانونية جثثاً هامدة. إنه يعلن امتلاكه لجسده، وامتلاكه لنفسه في عالم يحاول تدجين كل شيء.

المحكمة كمسرح للعبث
في "الأفوكاتو"، يتحول محراب المحكمة إلى "خشبة مسرح". القاضي بوقاره، والمحامي بروب الأسود، والمتهم بقفصه.. الكل يؤدي أدواراً مرسومة سلفاً. الحقيقة في الفيلم ليست غائبة، بل هي "عنصر غير مرغوب فيه".
سؤال سبانخ عن "الرقص" هو ذروة التمرد الفلسفي الذي يكشف هشاشة المنظومة. إذا كان القانون لا يمنع الرقص، فإنه بالتبعية "قاصر" عن الإحاطة بكل حركات الروح البشرية. وإذا كان يمكن التلاعب بالنصوص عبر "الثغرات"، فإن النص القانوني نفسه قد يتحول من "درع للعدالة" إلى "متاهة للمخاتلة".
حين يقف سبانخ أمام المنصة، فهو لا يتحدث لغة القانون الجافة، بل يتحدث لغة "الحياة". في هذا الكادر، نرى سبانخ صغيراً جداً أمام منصة القاضي العالية، لكن صوته وسخريته يجعلان المنصة تبدو هشة.
في مشهد المحكمة، حين يرقص سبانخ، هو لا يمارس حركة عبثية، بل يمارس "استرداداً للجسد". في مجتمع يحاول قمع الإنسان بالبدلة، بالرتبة، وبالمنصب، يبرز الجسد الراقص كآخر مساحة للحرية.

الضحك.. فعل المقاومة
في قراءات الناقد سامي السلاموني، نكتشف أن الكوميديا في "الأفوكاتو" ليست للإضحاك، بل هي أداة لـ "كشف القبح". نحن نضحك في المحكمة، لكنه ضحك "مقلق"، لأننا ندرك أننا نضحك على فكرة العدالة الغائبة في واقعنا. الضحك هنا هو القناع الذي يرتديه الحزن لكي يستطيع المرور في الحلق.
سبانخ يرى المجتمع مقسوماً إلى ذئاب تأكل، وحملان تؤكل. لكنه يرفض الاثنين. هو ينتمي للناس الذين وصفهم بمرارة: الناس اللي ما بينهم.. أهو إحنا.
هذه "المنطقة الرمادية" هي جوهر الفلسفة الوجودية في الفيلم. سبانخ لا يملك طهر الأنبياء ولا وحشية المجرمين، إنه إنسان "عادي جداً" اضطر لابتكار قوانينه الخاصة ليعيش. الضحك عنده هو "صمام أمان". يضحك لأنه لو توقف عن الضحك لدقيقة واحدة، سيسقط في بئر اليأس. سؤاله الدائم: الحياة دي يبقى شكلها إيه من غير هزار؟ هو في الحقيقة استغاثة إنسان يرى الهاوية أمامه كل يوم.

موسيقى سيريالة الوحي
هنا، لم يعد العبث خيارا جماليا كما يراه الميهي، بل أصبح "ضرورة تفسيرية". هذا ما التقطه هاني شنودة بعبقرية؛ فالموسيقى تحمل حزنا خفيا لا يظهر في الصورة، لكنه يتسلل إلى الروح. إنها تخبرنا أن خلف كل "إفيه" هناك غصة، وخلف كل رقصة هناك محاولة يائسة لنسيان الفقر والضياع. الموسيقى هي "الدمعة" التي يرفض سبانخ أن يذرفها، لكي يظل "لاعبا" قويا في نظر نفسه.
تلك النغمات التي تبدو مرحة في البداية، سرعان ما تتحول إلى إيقاع رتيب وموجع. الموسيقى هنا هي "صوت الباطن" لسبانخ. بينما هو يلقي النكات، الموسيقى تخبرنا بأنه وحيد، ومتعب، وخائف. إنها تشبه رقصة "المهرج" الذي يضحك الجمهور بينما قلبه ينزف. الموسيقى تعطي الفيلم صبغته الشاعرية، وتحوله من مجرد "فيلم كوميدي" إلى "مرثية لحلم جيل".

"البكرة" التي تلتهم الجميع
الفيلم لا يصور الفساد كحالات فردية، بل كـ "منظومة متكاملة". "حسونة محرم" المقاول الغني و"سليم أبو زيد" الأرستقراطي القديم، أما سبانخ فيمر بين هذين العملاقين كـ "زئبق" منفلت. هو يدرك أن "الفساد لا يحب المنافسة"، وحين يقرر اللعب معهما، فإنه يدخل حقل ألغام وجوديا. الديناصورات في الفيلم ليست شخصيات، بل هي "رموز للعدم". فالقبح الحقيقي قد يختبئ خلف الأناقة، بينما "الجمال" والصدق قد يختبئان خلف "لؤم" سبانخ وفهلوته.
الميهي يفكك مفهوم "البطل الشريف" التقليدي؛ فسبانخ ليس شريفا لأنه يلتزم بالنص، بل لأنه صادق مع قبحه. إنه لا يدّعي الفضيلة، بل يعترف بأنه "بهلوان" يحاول إطعام أطفاله. هذا الصدق القبيح هو أرقى درجات الفلسفة في الفيلم؛ إنه "صدق الحضيض" في مواجهة "زيف القمة"
هذا ما عناه سبانخ حين قال: «البكرة لو اتشدت.. الكل هيكر». العالم ليس بناءً صلبا، بل هو خيط واهٍ من المصالح القذرة. الحلم الصغير لسبانخ؛ بيت نظيف، حياة كريمة، مساحة خاصة.. هذا الحلم البسيط يبدو مستحيلا في غابة الحيتان. حين تصبح الحقوق الأساسية "رفاهية"، يتحول السعي إليها إلى جريمة، ويتحول "الناجي" إلى مطارد أبدي.

السجن.. إعادة تعريف الحرية
ينتهي مشهد المحكمة الشهير بقرار الحبس، وهنا تتبدل لغة الكاميرا تماماً. يخرج "حسن سبانخ" من وقار "الروب" الأسود ليدخل في رمادية السجن. لكن العجيب هنا هو "تعبيرات وجه عادل إمام"؛ لم نرَ بطلاً منكسرا، بل رأينا رجلا "يخلع" العالم الخارجي كما يخلع حذاءه المتسخ بالمجاري.
السجن هنا ليس مكانا، بل هو "حالة". والحرية ليست غياب القيود، بل هي القدرة على التكيف معها. دخول سبانخ للسجن هو فعل فلسفي؛ إنه يختار سجنه الصغير هرباً من السجن الأكبر الذي صار عليه العالم. هناك، في العتمة، تتعرى "آلهة" المجتمع المزيفة؛ حسونة وسليم ينهاران، ويبقى سبانخ، الصعلوك الوجودي، هو السيد الوحيد لخرابه الخاص.
في واحدة من أكثر لحظات الفيلم شاعرية، يتحول حسن سبانخ إلى "خالق عوالم". يجلس سبانخ في ركن مظلم، ويغمض عينيه، ويبدأ في وصف البحر والرمال والهدوء. في هذا الكادر، تختفي جدران السجن بصريا، ونشعر بأن روح سبانخ قد خرجت من النافذة الصغيرة للزنزانة.
هذا المشهد هو "قلب" الفيلم الفلسفي. إنه يخبرنا أن الحرية ليست "خروجا" من الباب، بل هي "اتساع" في الداخل. سبانخ الذي يصف رمل الشاطئ وزرقة الموج، هو "سيزيف" الذي قرر أن يحول صخرته إلى غيمة. الخيال هنا هو السلاح الوحيد المتبقي ضد "اللامعقول"؛ فإذا كان العالم الخارجي غارقاً في الزيف والمجاري، فإن عالم "الداخل" المتخيل هو الحقيقة الوحيدة الصادقة. في تلك اللحظة، يصبح السجناء أحراراً، ويصبح السجان هو السجين الحقيقي داخل جلافة واقعه الذي لا يرى وراء الجدار.

عطية.. الأنوثة كملاذ أخير
في قلب مستنقع المجاري الطافحة، تبرز "عطية" (يسرا) لا كزوجة تقليدية، بل كـ "رحم أخلاقي" يحاول حماية حسن سبانخ من الانحلال الكامل. علاقة سبانخ بـ عطية هي المنطقة الوحيدة التي يتخلى فيها "الأفوكاتو" عن قناع الفهلوة. في بيتهما الضيق، يمارس سبانخ "ضعفه الجميل"؛ هناك لا يحتاج للرقص لكي يثبت وجوده، بل يحتاج فقط للسكينة.
الأنوثة هنا هي "يوتوبيا" سبانخ المفقودة. حين تضيق به المحاكم والزنازين، يلوذ بحضن عطية، وكأنه يلوذ ببقايا إنسانيته التي لم يبعها في سوق النخاسة القانونية. الحوار بينهما ليس مجرد كلام، بل هو "زفرات وجودية" عن اللحمة التي غلت، والحياة التي انحسرت. عطية هي "المرساة" التي تمنع مركب سبانخ من الغرق النهائي في بحر العبث؛ إنها تذكره دائماً بأنه إنسان.

عبد الجبار.. ترس الماكينة الصدئ
شخصية "عبد الجبار"، الموظف المنسحق، هي التجسيد البصري لـ "الاغتراب" الذي تحدث عنه ماركس وسارتر. هو ليس فاسداً بطبعه، لكنه "ترس" في ماكينة ضخمة لا ترحم. عبد الجبار هو الوجه الآخر لسبانخ؛ هو الإنسان الذي اختار "الامتثال" بينما اختار سبانخ "المراوغة".
في نظرات عبد الجبار لسبانخ، نلمح مزيجاً من الاحتقار والحسد. هو يحتقر "لا مبالاة" سبانخ، لكنه يحسد قدرته على "الرقص" فوق القوانين التي تخنقه هو. الموظف هنا هو ضحية "التراتبية الإدارية" التي تحول البشر إلى أرقام وملفات. حلمه بأن يكون مثل "الحيتان" هو مأساة بحد ذاتها؛ لأنه لا يدرك أن "الناجين" في هذا العالم هم فقط من يملكون خفة سبانخ، أما "المنتظمون" مثله، فهم أول من تهرسهم "البكرة" حين تبدأ في الدوران.

الهروب.. اللعبة التي لا تنتهي
ينتهي الفيلم بـ "هروب سريالي". سبانخ يركض وسط الزحام، ولا نشعر بالانتصار، بل نشعر بالقلق. الهروب ليس حلاً، بل هو تأجيل للمواجهة القادمة. الفيلم لا يمنحنا خاتمة، بل يتركنا داخل الدائرة المفرغة.
"الأفوكاتو" يضعنا أمام السؤال الوجودي الحارق: هل نحن حملان؟ أم ذئاب؟ أم نحاول، مثل سبانخ، أن نكون "شيئاً ثالثاً" في المنطقة الرمادية؟ قد لا يملك الفيلم إجابة، لكنه يملك شجاعة السؤال. وإذا كان العالم "لعبة" غير عادلة، فإن الرقص في وجه العبث هو أقصى ما يمكن فعله.
الفيلم لا يمنحنا تطهيرا بالمعنى الكلاسيكي، بل يتركنا مع غصة في الحلق. يتركنا داخل "الدائرة" مع سبانخ. نحن نركض معه، ونضحك معه، ونخاف معه، فسبانخ لا يغير العالم، لكنه يغير طريقته في التعامل معه. يختفي سبانخ في الزحام، وتبقى ضحكته ترن في أروقة أرواحنا، تذكرنا بأن هناك قانوناً واحداً لم يجرؤ أحد على كتابته بعد: "حق الإنسان في أن يظل حراً.. ولو بالخيال".

ارقصوا.. فليس هناك قانون يمنع الحلم
العبث في "الأفوكاتو" لم يعد خياراً سينمائياً، بل صار "نمط حياة". نحن نعيش الآن في عالم يمنع الرقص فعلياً، هو فيلم عن "الإنسان الذي يرفض أن يكون جثة"؛ إنسان يصر على أن يظل "لاعباً" حتى لو كانت القواعد ضده، ويصر على أن "يرقص" حتى لو كان المسرح غارقاً في الوحل.
يظل "الأفوكاتو" هو "الإنجيل السينمائي" لكل من ضاقت بهم السبل. إنه الفيلم الذي يخبرنا أن "الهزيمة" ليست نهاية العالم، بل هي بداية "السخرية". حسن سبانخ علمنا أن الضحكة هي "الطلقة" الوحيدة التي لا تردعها الجدران، وأن "الخفة" هي الوقار الحقيقي في زمن الثقل المادي والقهر النفسي.
حين يسدل الميهي الستار، وتتوقف موسيقى هاني شنودة الحزينة، نكتشف أننا لم نشاهد فيلماً، بل شاهدنا "مرآة" تخبرنا أن "العدالة" قد تكون غائبة ، لكنها حاضرة في "رقصة" إنسان يرفض الانكسار. "الأفوكاتو" هو تحية لكل "الصعاليك الوجوديين" الذين يمشون فوق "المجاري" بقلوب بيضاء، ولكل من أدرك أن الحياة "نكتة" سمجة، فقرر أن يضيف لها "قفشة" أخيرة قبل أن يرحل.