فن

"زفاف علي".. الحب أفضل وسيلة للدفاع

الجمعة 2018.11.16 03:19 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 190قراءة
  • 0 تعليق
لقطة من فيلم "زفاف علي"

لقطة من فيلم "زفاف علي"

أفضل وسيلة للدفاع.. هي الهجوم بالحب، تلك هي الرسالة الأهم في الكوميديا الرومانسية "زفاف علي" للمخرج جيفري ووكر، وقد قدمت صورة جزء من فسيفساء الحياة اليومية للمهاجرين العرب في أستراليا، والتقطت جوانب إنسانية في حياتهم قلما تظهر في الأفلام الغربية، التي يكاد ينحصر حضورهم المحدود فيها بصورة نمطية عادة ما يظهر فيها المهاجرون المسلمون كإرهابيين. 


ولا يبدو "زفاف علي" مشغولاً بالإعداد لمذكرة دفاع سياسية عن المهاجرين المسلمين، بقدر ما يريد أن يخاطب جمهوره الغربي من دون أن يفرض نفسه على الآخرين ويمارس الوعظ عليهم، بالقول إن لهؤلاء عوالم لا تختلف عن عوالمكم، حياة مشبعة بالعاطفة والتفاصيل اليومية الصغيرة التي تتعلق بالعائلة وأحلام أفرادها وآمالهم فيها، وذلك من خلال قصة حب مؤثرة لا تخلو من المواقف الطريفة التي يتعرض لها بطل الحكاية "علي" (أسامة سامي) نتيجة قيامه بالكذب على عائلته والمجتمع من حوله، مراعاة لمكانة والده رجل الدين العراقي مهدي(دون هاني) وسط مجتمع المهاجرين المسلمين في أستراليا، وحرصاً على ألا يخيب أمله؛ إذ لطالما حلم الأب بأن يدرس ابنه علي الطب، ويخفف عنه فجيعته بفقدان ابنه الأكبر، المعروف بذكائه، الذي قضى نحبه نتيجة انفجار لغم في العراق.


ورغم أن الفيلم يسعى لرسم صورة إيجابية عن المجتمع المسلم في أستراليا وتبديد الصورة النمطية حوله، إلا أنه لا يتجمل ويغمض عينيه عن بعض السلبيات في هذا المجتمع، مثل تعصب البعض للمسلمين واتباع أحكام أصولية تجاه أفرادها من الجيل الثاني للمهاجرين، وصولاً إلى اتباع تمييز يصل حد التفرقة بين أبناء البلد الأصلي الواحد وأبناء البلدان الأخرى، إلا أن الفيلم لا يفعل ذلك بصورة منفردة، وإنما يصر على إيراد الصورة السلبية جنباً إلى جنب مع الصورة الإيجابية، بوصف ذلك جزءا من الصراع الفكري والثقافي من طبيعة المجتمعات الحية، ولاسيما تلك القائمة على التنوع، فيعرفنا الفيلم على وجه منفتح للإسلام من خلال شخصية الأب مهدي فهو يؤلف مسرحيات موسيقية، ويغلب على محاضرته المرح وعلى أحكامه المرونة، وغير ذلك ففي بيته من يعزف الموسيقا ويندمج مع المجتمع الغربي حوله.. إلخ.


وبمقدار ما يرفض "زفاف علي" التجمل في معرض محاولته تعديل الصورة المغلوطة عن مجتمع المهاجرين المسلمين في الغرب، بمقدار ما يرفض أن يضع رأسه كالنعامة في الأرض، متجاهلاً الممارسات العنصرية تجاه أبناء هذه المجتمع والتضييق عليه، ولكنه يفعل ذلك بخطاب سياسي من دون سياسة، إذ يمرر في حواراته انتقاداً للمناخ العام الذي يعيشه أبناء هذا المجتمع في أستراليا، فيما يشبه النكات أحياناً، فيدعو علي "ديان" (هيلانا ساويرز) حبيبته للانتقال إلى أمريكا، والعيش هناك كأستراليين، ولا يفوته أن يدين الصورة النمطية التي تصنعها هوليوود عن المهاجرين المسلمين، فنجده يعبر عن حلمه بالعمل كممثل فيها، فـ"هوليوود تحتاج دائماً إلى أشخاص مثلنا لكي نلعب أدوار الإرهابيين". يقول علي لحبيبته ديان.


 يبدأ "زفاف علي" المأخوذ من كتاب "Good Muslim Boy"، تأليف بطل الفيلم أسامة سامي من مشهد للشاب "علي" وهو يحاول اللحاق بحبيبته "ديان" على متن جرار زراعي لمنعها من السفر إلى وطنها لبنان، قبل أن تعود بنا الأحداث إلى بدايتها لنتعرف على الطفل علي وعائلته الهاربة من جحيم الدكتاتورية في العراق وصولاً إلى أستراليا، حيث تعيش العائلة وسط مجتمع مسلم في ضواحي ملبورن الشمالية، وتنظر إلى أفرادها بوصفهم المستقبل الذي سيكون امتداداً لوالدهم رجل الدين العراقي، الفريد بصفاته والمحبوب بين الناس، وأكثر ما كان يعول عليه وسط هذه العائلة، هو علي، بوصفه الذكي الذي سيدرس الطب، وما بين سعيه لتحقيق هذه الأمنية لأهله والمحافظة على صورة والده الجليل وحضوره بين الناس ووقوعه في غرام ابنة المهاجر اللبناني "ديان" من جهة أخرى، سيجد علي نفسه يتورط في الكذب على من حوله، وزواج لا يدوم أكثر من ساعة وأربعين دقيقة، قبل أن يهرب العريس علي من موكبه بين الحقول، تاركاً زوجته "يمنى" للحاق بحبيبته "ديان".


يقدم الفيلم الحكاية السابقة في بناء درامي متماسك، كتب السيناريو له بطل الفيلم أسامة سامي بالتعاون مع الكاتب أندرو نايت، وتميز باعتنائه بالتفاصيل الحياتية على نحو استحق فوزه بجائزة أفضل سيناريو أصلي من الأكاديمية الأسترالية، ولاسيما أنه استطاع ضبط التوازن بين الكوميديا والتراجيديا في حكاية علي وعائلته، وقدم عدداً من المشاهد التي تختزن طاقة وجدانية عالية، أبرزها مشهد موت الأخ الكبير بلغم أرضي، وكيف دفع أخاه علي للابتعاد عنه برمي الكرة له بعيداً، قبل انفجار اللغم به.


نقطة الضعف في الفيلم كانت في المشهد الأول والأخير منه، ففي المشهد الأول نحن أمام معالجة نمطية لطالما تكررت في قصص الحب حين يترك الحبيب حفل زفافه في اللحظات الأخيرة للحاق بحبيبته التي تنوي السفر بعيداً عنه، أما المشهد الأخير فبدا مفتعلاً إذ تعود الحبيبة من لبنان، متخلية عن حجابها رغم أنها عادت للتو من بيئة ملتزمة دينية، من دون أن نشهد مقدمات تمهد لعودتها ولاسيما أنها سافرت إلى لبنان كرد فعل غضب عائلي من سلوكها، ولكن في الكوميديا من الممكن أن نتقبل مثل هذه النهايات المفتعلة، فعذابات البطل "علي" طوال الفيلم تستحق أن تنتهي نهاية سعيدة.


تعليقات