تصعيد تشريعي وقضائي.. أمريكا توسّع المواجهة مع الإخوان
تصاعدت المواجهة الأمريكية مع جماعة الإخوان، مع تزامن تحركات تشريعية داخل الكونغرس وإجراءات قضائية على مستوى الولايات.
وتعكس التحركات توجّهًا متصاعدًا لتجفيف نفوذ التنظيم وكياناته، وقطع الطريق أمام «مشروع أيديولوجي عابر للحدود» يستغل الفضاء القانوني والدستوري للتمدد داخل المجتمع الأمريكي.
واعتبر خبيران في شؤون الجماعات الإسلامية، في حديثهما لـ«العين الإخبارية»، أن «المعركة القانونية والتشريعية مع الإخوان ستكون طويلة ومعقدة، ولن تُحسم سريعًا»، نظرًا لقدرة الجماعة على التلوّن والانسلاخ داخل كيانات جديدة، إلا أنهما أكدا أن هذه الخطوة ستقيّد حركتها وتحدّ من نشاطها في نشر التطرف والإرهاب وتمويله.
وأضافا أن الهدف من التحرك القضائي هو مأسسة الحظر، ليصبح نهجًا راسخًا لا يرتبط بنظام سياسي بعينه، بل يستمر ضمن البنية القانونية والمؤسسية للدولة.
مواجهة بالكونغرس
ووفق مجلة «ذا بلا كرونيكل» الأمريكية، فإن الكونغرس الأمريكي يشهد تصعيدًا متسارعًا ضد جماعة الإخوان وتنظيماتها، مع توسّع تكتّل جديد يحمل اسم «أمريكا خالية من الشريعة».
التكتّل، الذي أُطلق أواخر العام الماضي بقيادة مشرّعين جمهوريين من ولاية تكساس، يضمّ اليوم 33 عضوًا من 18 ولاية، ويطرح نفسه كمنصة تشريعية لمواجهة ما يعتبره «مشروعًا أيديولوجيًا عابرًا للحدود» تقوده جماعة الإخوان عبر واجهات دينية ومدنية.
وخلال مؤتمر صحفي في مبنى الكابيتول، نهاية الأسبوع الماضي، اعتبر قادة التكتّل أن الإخوان يمثلون «أحد أخطر التهديدات غير التقليدية» للنظام الدستوري الأمريكي، متهمين الجماعة بالسعي إلى فرض منظومة موازية للقانون الأمريكي عبر خطاب ديني وسياسي منظم.
الإخوان في صلب المواجهة
وذهب مشرّعون مشاركون في التكتّل إلى ربط انتشار خطاب «تطبيق الشريعة» في بعض الولايات الأمريكية، خصوصًا تكساس، بوثائق تعود إلى أوائل التسعينيات، قالوا إنها تكشف استراتيجية الإخوان في أمريكا الشمالية.
وأشاروا إلى مذكرة داخلية منسوبة إلى قيادي في جماعة الإخوان، تُحدّد هدف الجماعة بإقامة «حركة إسلامية تقود المجتمع المسلم في أمريكا وتخدم مشروع الدولة الإسلامية العالمية»، عبر شبكة من المؤسسات التعليمية والطبية والطلابية والخيرية.
وبحسب المشرّعين، فإن هذه الوثيقة لا تزال تمثل «خارطة طريق» لنشاط الإخوان، وتفسّر استمرار عمل عشرات الكيانات التي وُصفت بأنها واجهات تنظيمية، من بينها منظمات طلابية وجمعيات إسكان ومؤسسات طبية.
وطالب نائب جمهوري في مجلس النواب بتكساس إلى عقد جلسات استماع مخصصة لمناقشة القضية خلال العام الجاري.
ويتألف تكتّل «أمريكا الخالية من الشريعة» حصريًا من أعضاء الحزب الجمهوري، ويضم سبعة نواب من ولاية تكساس هم: كيث سِلف، وتشيب روي، وبراندون غيل، ومايكل كلاود، وبراين بابين، ومونيكا دي لا كروز، وويسلي هانت.

كما يشمل التكتّل مجموعة أوسع من المشرّعين الجمهوريين من ولايات مختلفة، من بينهم توم إيمر عن ولاية مينيسوتا، وماري ميلر عن إلينوي، وآندي بيغز وإيلي كرين وبول غوسار عن أريزونا، وبايرون دونالدز وراندي فاين وكوري ميلز ومايك هاريدوبولوس عن فلوريدا، وسكوت بيري ومايك كيلي عن بنسلفانيا، وآندي أوغلز عن تينيسي، وإريك بورليسون عن ميسوري.
إضافة إلى غوش بريتشين عن أوكلاهوما، وشيري بيغز ورالف نورمان عن كارولاينا الجنوبية، وباري مور عن ألاباما، وترايسي مان عن كانساس، وراس فولشر عن أيداهو، ومايك كينيدي عن يوتا، وأندرو كلايد عن جورجيا، ومارك هاريس وأديسون ماكدويل عن كارولاينا الشمالية، ونيك بيغيتش عن ألاسكا، وبن كلاين وجون ماكغواير عن فيرجينيا.
ملاحقة قضائية
وفي تطور لافت، توسّع التصعيد ليشمل مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير)، الذي بات هدفًا مباشرًا لإجراءات قانونية وتشريعية.
فقد رفع المدعي العام لولاية تكساس، بطلب من حاكم الولاية غريغ أبوت، دعوى قضائية تسعى إلى حظر نشاط (كير) داخل الولاية، واصفًا إياه بأنه «فرع تنظيمي لجماعة الإخوان»، فيما سبق لحاكم الولاية تصنيف كلٍّ من الإخوان و(كير) كمنظمات إرهابية أجنبية.
ومنذ ذلك الحين دعا إلى سلسلة من التحقيقات بشأن كير، وحثّ وزارة الخزانة على سحب صفة المنظمة غير الربحية منها.
وبالتوازي، يعمل أعضاء تكتّل «أمريكا خالية من الشريعة» على تمرير 7 مشاريع قوانين، تشمل تشديد قوانين الهجرة، وترحيل الأجانب المرتبطين بتنظيمات أيديولوجية، والسعي لإدراج الإخوان و(كير) رسميًا على قوائم الإرهاب الأمريكية.
مواجهة طويلة وصعبة
وفي هذا الإطار، قال ماهر فرغلي، الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، لـ«العين الإخبارية»، إنه رغم دخول الولايات المتحدة في مرحلة مواجهة متعددة المسارات مع جماعة الإخوان، التي تجمع بين المسار التشريعي داخل الكونغرس، والمسار القضائي عبر ملاحقات قانونية تقودها ولايات، في مقدمتها تكساس، إلا أن «التحدي الأكبر يتمثل في صعوبة إثبات الارتباط التنظيمي».
وأوضح أن «القانون الأمريكي لا يسمح بحظر أي كيان إلا بوجود أدلة مباشرة على الإرهاب أو تمويله، وهو ما تستغله الجماعة بمهارة عبر العمل تحت مسميات قانونية يصعب الطعن فيها».
لعبة القط والفأر
وأكد فرغلي أن الإخوان اعتادوا مواجهة هذا النوع من الضغوط بأسلوب «التحايل القانوني»، إذ يكفي حظر جمعية واحدة ليُعاد إنتاجها سريعًا باسم جديد وواجهة مختلفة، في عملية وصفها بـ«لعبة القط والفأر» التي قد تستغرق سنوات داخل أروقة القضاء.
وأضاف أن الملاحقات القضائية، حتى لو نجحت جزئيًا، ستستغرق وقتًا طويلًا، ليس فقط بسبب بطء الإجراءات، بل لأن انسلاخ الأفراد من كيان محظور وتشكيل كيان جديد عملية معقدة لكنها ليست مستحيلة بالنسبة للجماعة.
شبكات مالية خفية
وشدد الخبير على أن أخطر ما يواجه أي تحرك أمريكي هو «الجناح الاقتصادي السري» للإخوان، الذي يعمل عبر شبكة معقدة من الشركات والأفراد غير المعروفين علنًا، في أوروبا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، بعيدًا عن الأسماء التنظيمية المعروفة.
وأوضح أن هذه الشبكات لا تُدار بأسماء قيادات إخوانية معلنة، ما يجعل إثبات الانتماء شبه مستحيل قانونيًا، حتى في الدول الغربية، على عكس ما يحدث في بعض الدول العربية.

حدود التأثير
وختم فرغلي بالتأكيد على أن هذه التحركات، رغم أهميتها السياسية، لن تُنهي وجود الإخوان، لكنها قد تُقيد حركتهم، وتؤكد في الوقت نفسه صحة الرؤية التي تبنتها دول عربية، بشأن الطبيعة الإرهابية للجماعة.
وأضاف: «الرسالة السياسية واضحة، لكن المعركة القانونية مع الإخوان في الغرب طويلة ومعقدة، ولن تُحسم سريعًا».
استراتيجية مدروسة لمأسسة الحظر
وبشأن، مسار التصعيد الأمريكي ضد جماعة الإخوان، يرى أحمد بان، الباحث والخبير في شؤون الحركات الإسلامية، في حديث لـ«العين الإخبارية» أن «التحركات الأخيرة في واشنطن لا تبدو عابرة أو ظرفية، بل تقوم على استراتيجية مدروسة ومقاربة شاملة تستهدف حظر التنظيم والتضييق عليه بصورة ممنهجة».
ويؤكد بان أن العلاقة المباشرة بين تنظيم الإخوان وحركة حماس شكّلت الباعث الرئيسي لهذا التحول، مشيرًا إلى أن التحرك الأمريكي «انطلق عمليًا من ثلاث دول كانت تُعد حاضنة أساسية لنشاط التنظيم وداعمة لامتداداته المرتبطة بحماس»، قبل أن يتوسع ليشمل مسارات أوسع.
ويوضح أن التركيز الحالي ينصب على تجفيف منابع التمويل والدعم اللوجستي، لافتًا إلى أن «التضييق المالي بات الأداة الأكثر فاعلية، خاصة أن جزءًا كبيرًا من نشاط التنظيم كان يمر عبر شبكات مالية معقدة وواجهات قانونية».
وفيما يتعلق بنقل المواجهة إلى المسار القضائي، يرى بان أن هذه الخطوة تعكس «حرصًا أمريكيًا على قطع الطريق نهائيًا أمام أي دعم سابق تلقته الجماعة»، مع التعامل معها بوصفها تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي، فضلًا عن كونها «خطرًا على حلفاء الولايات المتحدة في الإقليم».
ويختم بالقول إن واشنطن تسعى عبر هذا النهج إلى مأسسة المواجهة مع الإخوان، بحيث لا تبقى القرارات رهينة ظرف سياسي أو إدارة بعينها، بل تتحول إلى جزء ثابت من البنية السياسية والقانونية الأمريكية، «يُلزم أي إدارة مقبلة بالاستمرار في التضييق على التنظيم وملاحقته».