وهم الهيمنة وتغيرات العصر.. هل تتعلم أمريكا من "لحظة السويس"؟
في 1952 و1953.. كانت هناك أفلام أمريكية تصور الحرب العالمية الثانية كصراع انتصرت فيه الحرية على الشر، وترجع الفضل إلى جهود أمريكا.
وبحسب تلك الروايات، شنت الولايات المتحدة حربا شعبية، خاضها ملايين المواطنين العاديين الذين لبوا نداء الواجب، وكانت نتيجة الحرب شهادة على قوة الديمقراطية الأمريكية.
وإن كان لتلك الوثائقيات رسالة فتمثلت في أن نتيجة الصراع المروع في الحرب العالمية ترسي (في ذلك الوقت) عصرا جديدا من المقدر أن تكون فيه للولايات المتحدة اليد العليا، وفق تحليل نشرته مجلة فورين آفيرز الأمريكية.
وعلى الرغم من ذلك، ألمحت الوثائقيات أيضا إلى الصعوبات المتوقعة، وبالفعل بمرور الوقت أصبح حلفاء محددون للولايات المتحدة في وقت الحرب ألد خصومها.
كما انطلق سباق لبناء أسلحة نووية أكثر فتكا من تلك التي أسقطتها الولايات المتحدة على اليابان، وانخرطت القوات الأمريكية مجددا في القتال، هذه المرة في شبه الجزيرة الكورية.
وكما هزمت القيادة الأمريكية في الحرب العالمية الثانية "الرايخ الثالث" واليابان الإمبراطورية، تحولت واشنطن أيضا إلى مواجهة التهديد السوفياتي لضمان بقاء الحرية.
ووفق المجلة، إذا كان لهذه المرحلة درس أساسي فهو أن القيادة الأمريكية العالمية المدعومة بقوة عسكرية متفوقة أصبحت ضرورة حتمية.
لكن النصر الذي تم تحقيقه بشق الأنفس عام 1945 كان مصدرا للأوهام أيضا، وفي الستينيات بدا أن الحرب الحاسمة والباهظة في فيتنام تقضي على تلك الأوهام، لكن انهيار الشيوعية والاتحاد السوفياتي في نهاية الثمانينيات أعاد إحياء الأوهام مجددا.
قبل أن تكشف المجازفات التي أقدمت عليها واشنطن بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001 في سعيها وراء "حربها العالمية على الإرهابية" أن ادعاءات التفوق العسكري الأمريكية واهية.
ووفق "فورين آفيرز" كان يجب أن تكون النتائج المحبطة للحروب طويلة الأمد في أفغانستان والعراق بمثابة صحوة نداء شبيهة بتلك التي مرت بها المملكة المتحدة عام 1956، بعدما حاولت الحكومة البريطانية فرض سيطرتها على قناة السويس، وانتهى الأمر بإذلال كلف رئيس الوزراء البريطاني آنذاك أنتوني إيدن وظيفته.
وبحسب التحليل، ربما كان العقدان الماضيان بمثابة لحظة مشابهة لـ"لحظة السويس" بالنسبة للولايات المتحدة، لكن مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية رفضت المضي قدما في مراجعة النفس، متمسكة بأسطورة احتياج العالم إلى قوة عسكرية أمريكية.
ولم يمنع الفشل في العراق واشنطن من مضاعفة الولايات المتحدة "حربها الجيدة" في أفغانستان، وهو عمل متهور بلغ ذروته بانسحاب فوضوي ومهين عام 2021، وفق المجلة.
كان من الممكن أن تكون مشاهد الانسحاب بمثابة فرصة مناسبة لإعلان نهاية للعصر الذي دشنته الحرب العالمية الثانية، والحرب الباردة.
استعراض العضلات
لكن أعادت الحرب الروسية في أوكرانيا إحياء التقليد الأمريكي لما بعد الحروب المتمثل في استعراض العضلات.
واعتبر التحليل أن الحرب في أوكرانيا ربما تكون فرصة أخيرة لواشنطن لتعلم درس مشابه لما حدث مع بريطانيا بشأن قناة السويس، وبدون حتى التعرض لهزيمة.
وحتى الآن، كانت السياسة الأمريكية بشأن أوكرانيا براغماتية ومقيدة على ما يبدو، لكن يتحدث الرئيس جو بايدن وفريقه بانتظام عن الحرب بطرق تشير إلى رؤية عتيقة وأخلاقية للقوة الأمريكية.
وأشار التحليل إلى أن تحقيق الاتساق بين الموقف الخطابي لإدارة بايدن مع التقييم الرصين للمخاطر الحقيقية التي تنطوي عليها أوكرانيا قد يسمح لبايدن بفطم المؤسسة الأمريكية عن هوسها بالهيمنة.
لكن يتمثل الخطر في أن العكس هو ما قد يحدث، حيث إن تصور بايدن لأوكرانيا بأنها بوتقة لعصر جديد من الهيمنة الأمريكية قد يجعله عالقا في العالم القديم، كما قد تصبح سياسة إدارته المحسوبة بعناية شبيهة بتصريحاته غير الرشيدة، وقد يؤدي ذلك في المقابل إلى حسابات مختلفة تماما ووخيمة، وفق المجلة نفسها.
ولكن إذا كان الهدف من الهيمنة الأمريكية هو إرساء نظام عالمي وعدالة من خلال الاستخدام الحكيم للقوة الصلبة، فإن النتائج ستكون متفاوتة على أحسن تقدير.
ماذا بعد؟
ورأى التحليل أنه ما لم تختر روسيا استخدام الأسلحة النووية، سيناريو غير مرجح، ستظل تشكل تهديدا طفيفا على أمن الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن الجيش الروسي الذي لا يمكنه حتى دخول كييف لا يشكل خطرا كبيرا على برلين أو لندن أو باريس، ناهيك عن نيويورك.
وبحسب التحليل، يعزز انعدام الكفاءة التي أظهرها الجيش الروسي "الحجة القائلة بأن الديمقراطيات الأوروبية إذا بذلت جهدا فإنها أكثر من قادرة على توفير أمنها".
ورأى التحليل أن ما تحتاجه الولايات المتحدة هو بيان واضح للهدف الاستراتيجي الذي سيحل محل وثيقة "إن إس سي-68"، التي قدمت حجة للهيمنة الأمريكية، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة في أمس الحاجة إلى اتباع نصيحة مخطط السياسة الخارجية الأمريكي الراحل جورج كينان -التي تجاهلها صناع السياسة- بتجنب الحروب غير الضرورية، والوفاء بالوعود الواردة في وثائق تأسيس البلد، وتوفير فرص الحياة الكريمة للمواطنين.
ماذا يعني ذلك؟ يعني التعامل بجدية مع الالتزام الوارد بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية من أجل القضاء على الأسلحة النووية، وإغلاق العديد من المقرات العسكرية الإقليمية، وتقليل حجم البصمة العسكرية الأمريكية بالخارج، وحد الإنفاق العسكري على 2% من إجمالي الناتج المحلي.