فجوة الصواريخ الأمريكية.. حل في متناول اليد
يتمتع القطاع الخاص بقدرة فائقة على تجاوز نقص الصواريخ الأمريكية، لكن "البنتاغون" مطالب باتخاذ بعض الخطوات لسد فجوة الاحتياجات.
وتواجه الولايات المتحدة أزمة تتعلق بنقص مخزونها من الصواريخ، خاصة صواريخ "توماهوك" لكن الحل ليس زيادة التدخل الحكومي المباشر، بل تهيئة بيئة سوق مستقرة تسمح للقطاع الخاص بتوسيع الإنتاج والاستثمار طويل الأجل، وفقا لتحليل نشره موقع "ناشيونال إنترست" الأمريكي.
وأشار الموقع إلى أن الأزمة بدأت بالظهور عندما اتجهت وزارة الدفاع الأمريكية إلى تعليق تسليم صواريخ "توماهوك" إلى ألمانيا، رغم وجود اتفاق سابق لبيع نحو 400 صاروخ ضمن صفقة دفاعية تتجاوز قيمتها مليار يورو.
وبحسب التحليل، فإن السبب الحقيقي لهذا القرار ليس الاعتبارات السياسية أو الرغبة في تجنب التصعيد مع روسيا، وإنما عجز الولايات المتحدة عن توفير الكميات المطلوبة نتيجة انخفاض المخزون.
ولم تكن ألمانيا وحدها المتضررة، فما زالت دول حليفة مثل اليابان وهولندا تنتظر استلام طلباتها، في وقت استنزفت فيه العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط جزءًا كبيرًا من المخزون، إلى جانب انتشار القوات الأمريكية في عدة مناطق حول العالم.
واعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسميًا بهذه الفجوة الشهر الجاري عندما فعل قانون الإنتاج الدفاعي لتعزيز إنتاج الذخائر والصواريخ.
وتظهر التقديرات، أن المخزون التشغيلي كان يضم أكثر من ثلاثة آلاف صاروخ "توماهوك" قبل حرب إيران، إلا أن استخدام أعداد كبيرة من صواريخ "توماهوك" و"باتريوت" أدى إلى انخفاض المخزون إلى ما يقارب ألف صاروخ فقط.
ورغم أن وزارة الدفاع رفعت طلبات شراء الصواريخ بشكل كبير، حيث ارتفع الطلب السنوي إلى نحو 785 صاروخًا، فإن الطاقة الإنتاجية الحالية لا تتجاوز نحو 200 صاروخ سنويًا.
وبناءً على هذا المعدل، فإن إعادة بناء المخزون قد تستغرق ما بين 8 و10 سنوات، وهي فترة طويلة للغاية في ظل التوترات الدولية الحالية.
ومع ذلك فإن هذه الأزمة ليست نتيجة أحداث السنوات الأخيرة فقط، بل هي حصيلة عقود من السياسات الحكومية الخاطئة في مجال المشتريات الدفاعية، حيث اعتمدت وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) على طلبيات صغيرة ومتقطعة؛ الأمر الذي منع الشركات من الاستثمار في توسيع خطوط الإنتاج.
وفي الوقت نفسه، أدى منح العقود لمورد واحد في كثير من الأحيان إلى تقليل المنافسة وإضعاف الحوافز على تحسين الكفاءة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن العقود التي تعوض الشركات عن تكاليفها، مع هامش ربح ثابت، قللت من الدافع إلى الابتكار وخفض التكاليف.
ويؤكد التحليل، أن تصنيع صاروخ مثل "توماهوك" يعتمد على أكثر من ألف مكون دقيق يتم إنتاجها عبر شبكة واسعة من الموردين المتخصصين، وكثير منهم يمثل المصدر الوحيد لبعض الأجزاء الحيوية.
كما تعتمد هذه الصناعة على معادن نادرة تأثرت بزيادة الطلب العالمي وقيود التصدير الصينية، وهو ما يعني زيادة هشاشة سلسلة الإمداد لذا فإن المشكلة لا تقتصر على مصنع واحد، بل تشمل النظام الصناعي بأكمله.
ويقترح التحليل أن يكون الذكاء الاصطناعي أحد أهم أدوات معالجة الأزمة، إذ يمكن استخدامه في أتمتة عمليات التصنيع وتقليل الاعتماد على العمالة المتخصصة النادرة.
لكن يجب أن تتجنب الحكومة فرض لوائح تعرقل استخدام هذه التقنيات، وأن تعمل بدلًا من ذلك على إزالة العقبات التنظيمية، مثل تعقيد إجراءات الترخيص، والقيود المفروضة على تصدير التكنولوجيا، وبطء عمليات اعتماد الموردين الجدد.
وهناك بعض النماذج لشركات أمريكية ناشئة استطاعت تحقيق تقدم كبير بفضل الابتكار مثل شركة "هادريان" منصة تصنيع تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مما أدى إلى خفض مدة تدريب العاملين إلى شهر واحد فقط، الأمر الذي يسمح بتكرار خطوط الإنتاج بسرعة في مواقع متعددة.
كما نجحت الشركة في تقليل زمن تصنيع المكونات الدقيقة بنسبة تصل إلى 50%، وأبرمت عقدًا مع شركة "لوكهيد مارتن."
ويشير التحليل أيضا إلى شركة "أورسا ميجور" التي تستخدم تقنيات التصنيع بالإضافة الطباعة ثلاثية الأبعاد المتقدمة لإنتاج محركات الصواريخ، وهو ما يقلل عدد مراحل الإنتاج ويخفض زمن التصنيع من عدة أشهر إلى أسابيع.
كما يسلط الضوء على شركة "ليب 71" التي طورت نماذج ذكاء اصطناعي هندسية قادرة على تصميم محركات صاروخية أكثر كفاءة خلال أيام قليلة فقط.
والقاسم المشترك بين هذه الشركات هو أنها لم تنشأ نتيجة برامج حكومية أو خطط صناعية مركزية، وإنما تأسست بمبادرات خاصة من رواد أعمال استطاعوا جذب استثمارات خاصة وتطوير حلول مبتكرة استجابة لاحتياجات السوق.
وبالتالي فإن السياسة الحكومية، يجب أن تركز على خلق بيئة تشجع ظهور المزيد من هذه الشركات بدلاً من محاولة إدارة الصناعة بصورة مباشرة، وفق التحليل.
ويعد مفهوم "ضمان الطلب" العنصر الأكثر أهمية في إعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية، فالمصنع لا يستطيع استثمار مليارات الدولارات في إنشاء خطوط إنتاج جديدة إذا كان حجم الطلب الحكومي يتغير كل عام.
أما إذا حصل المصنع على عقود شراء طويلة الأجل، مثل التزام حكومي بشراء 800 صاروخ سنويًا لمدة عشر سنوات، فسوف يتمكن من التخطيط للاستثمارات اللازمة وزيادة الإنتاج بثقة.