«البنتاغون» و«أنثروبيك».. صدام يعيد رسم قواعد «الحرب الذكية»
بين منطق الأمن القومي وحدود الأخلاقيات التقنية، بدأ الخلاف بين «البنتاغون» وشركات الذكاء الاصطناعي، يدخل مرحلة الصدام.
وقال مسؤول رفيع في وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) لموقع أكسيوس إن وزير الدفاع بيت هيغسيث يستعد لاتخاذ خطوة غير مسبوقة ضد شركة الذكاء الاصطناعي أنثروبيك، قد تصل إلى حد قطع العلاقات التجارية معها وتصنيفها كـ"خطر على سلسلة التوريد".
هذا التصنيف، حال إقراره، يعني أن أي شركة أو جهة ترغب في التعاقد مع المؤسسة العسكرية الأمريكية ستكون ملزمة قانونياً بقطع علاقاتها مع "أنثروبيك"، وهي عقوبة تُفرض عادة على خصوم أجانب، ما يعكس مستوى التصعيد غير المسبوق في الخلاف.
وقال أحد المسؤولين: "سيكون فك الارتباط هذا بالغ الصعوبة، وسنضمن أن يدفعوا ثمنًا باهظًا لإجبارنا على اتخاذ مثل هذا القرار".
مفاوضات شاقة
تعود جذور الأزمة إلى مفاوضات دارت على مدى شهور بين "أنثروبيك" ووزارة الحرب بشأن شروط استخدام نموذج الذكاء الاصطناعي "كلود"، الذي يُعد حالياً النظام الوحيد المتاح على الشبكات السرية للجيش الأمريكي، ويُصنّف من بين الأكثر تقدمًا عالميًا في التطبيقات التجارية والحكومية.
ويقود الشركة رئيسها التنفيذي داريو أمودي، الذي يتبنى مقاربة حذرة تجاه الاستخدامات العسكرية للتقنيات المتقدمة. "أنثروبيك" كانت قد أبدت استعدادها لتخفيف بعض قيود الاستخدام، لكنها تتمسك بضمانات واضحة تحول دون استخدام أدواتها في تطوير أسلحة تعمل دون تدخل بشري، أو في تنفيذ برامج مراقبة جماعية واسعة النطاق للمواطنين الأمريكيين.
في المقابل، يرى مسؤولو الدفاع أن هذه الشروط "تخضع لقيود مفرطة" وتحتوي على ثغرات تجعل تطبيقها عمليًا أمرًا معقدًا، ويصرون على تمكين الجيش من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي "لجميع الأغراض المشروعة" ضمن الإطار القانوني.
الذكاء الاصطناعي بين الاستخبارات المفتوحة ومخاوف الخصوصية
يكمن أحد أبرز محاور الخلاف في قدرة الذكاء الاصطناعي على توسيع نطاق ما يُعرف بـ"الاستخبارات مفتوحة المصدر". فالقوانين الحالية تسمح للبنتاغون بجمع المعلومات المتاحة للعامة، مثل منشورات وسائل التواصل الاجتماعي والسجلات العامة. إلا أن هذه الصلاحيات صُممت في عصر كانت فيه القدرات التحليلية محدودة بالجهد البشري.
وتحذر "أنثروبيك" من أن استخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحول هذه الصلاحيات إلى منظومة مراقبة شاملة، عبر تحليل منشورات ملايين المواطنين بشكل مستمر، ومقارنتها بسجلات الناخبين وتصاريح حمل السلاح أو بيانات التظاهر، لتحديد أنماط سلوك أو تصنيف أفراد وفق معايير متعددة.
ويؤكد مسؤولو الشركة أن "القوانين التي تحظر المراقبة الجماعية المحلية لم تواكب بأي حال من الأحوال قدرات الذكاء الاصطناعي"، في حين يصر مسؤولو الدفاع على أن الجيش يجب أن يمتلك الأدوات الكاملة لاستخدام هذه التقنيات ضمن ما يجيزه القانون.
تداعيات مالية واستراتيجية
يبلغ العقد الذي يهدد البنتاغون بإلغائه نحو 200 مليون دولار، وهو مبلغ يمثل جزءًا محدودًا من إيرادات "أنثروبيك" السنوية التي تصل إلى نحو 14 مليار دولار. غير أن التأثير الأكبر قد يكون غير مباشر؛ إذ إن تصنيف الشركة كخطر على سلسلة التوريد سيُلزم آلاف الشركات المتعاقدة مع وزارة الحرب بالتصديق على أنها لا تستخدم نظام "كلود" في عملياتها.
وتكمن حساسية القرار في أن "كلود" يتمتع بانتشار واسع في القطاع الخاص، حيث تعتمد عليه ثماني من أكبر عشر شركات أمريكية، ما يجعل أي قرار بالحظر ذا تبعات واسعة على منظومة التكنولوجيا الدفاعية والاقتصاد الرقمي.
اختبار حاسم
يمثل الموقف المتشدد للبنتاغون تجاه "أنثروبيك" اختبارًا حاسمًا لمسار مفاوضاته مع عمالقة التكنولوجيا الآخرين، وفي مقدمتهم أوبن إيه آي وغوغل وإكس إيه آي.
وبحسب مصادر مطلعة، وافقت هذه الشركات على إزالة بعض الضمانات لاستخدام تقنياتها في الأنظمة العسكرية غير المصنفة، إلا أن إدماجها في العمليات السرية الأكثر حساسية لا يزال محل تفاوض.
ويؤكد مسؤولون في الإدارة أن الوزارة واثقة من إمكانية التوصل إلى معيار "الاستخدام القانوني الكامل"، بينما تشير مصادر أخرى إلى أن الكثير من التفاصيل الجوهرية لم يُحسم بعد.