كريم سعيد حاكماً لمصرف لبنان.. مهام وتحديات كبرى

عيّن مجلس الوزراء اللبناني، الخميس، المصرفي والخبير في مجال إدارة الثروات كريم سعيد، حاكماً جديداً للمصرف المركزي.
وذكرت الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام الرسمية أن "مجلس الوزراء عين كريم سعيد حاكما لمصرف لبنان"، خلفا لرياض سلامة الموقوف لاتهامه في قضايا اختلاس أموال عامة والذي انتهت ولايته في العام 2023. ونال سعيد 17 صوتاً من أصل 24 هم عدد وزراء الحكومة اللبنانية.
ومن المتوقع أن يسهم سعيد في إعادة هيكلة القطاع المصرفي التجاري، وتوزيع الخسائر المقدرة بنحو 72 مليار دولار الناجمة عن الانهيار المالي في لبنان، والذي أفقر معظم اللبنانيين، ودمر العملة المحلية، وفق «رويترز».
يمتلك كريم سعيد خبرة واسعة في المجال المالي والمصرفي والحقوقي على مدار السنوات الماضية، فهو عضو في نقابة المحامين في ولاية نيويورك منذ عام 1989. وقد تأسس أكاديمياً في هذا المجال في كلية الحقوق بجامعة هارفارد، حيث درس قانون المصارف على نطاق واسع وأعد أطروحته حول قانون «غلاس-ستيغال» لعام 1933، وهو تشريع أمريكي بارز فرض فصل الخدمات المصرفية التجارية عن الخدمات المصرفية الاستثمارية المضاربة.
يرتبط اسم كريم سعيد بما يُعرف بـ«خطة هارفارد» لحل الأزمة الاقتصادية في لبنان، التي مولتها شركة «غروث غايت كابيتال» (Growthgate Capital)، حيث شغل سعيد منصب المؤسس والشريك الإداري.
ويتمتع سعيد بخبرة مباشرة في الامتثال التنظيمي، والهياكل المالية، وأسواق رأس المال. وعمل بين عامي 1996 و2000، على نطاق واسع في إصدارات الأسهم والأوراق المالية المصرفية في لبنان، مع ضمان الامتثال للوائح مصرف لبنان وإرشادات هيئة الأسواق المالية اللبنانية.
وشغل سعيد منصب المدير العام للخدمات المصرفية الاستثمارية في بنك «إتش إس بي سي» في الشرق الأوسط بين مايو/أيار 2000 ومايو/أيار 2006.
في أواخر عام 2006، أسس شركة «غروث غايت إيكويتي بارتنرز» (Growthgate Equity Partners) في الإمارات العربية المتحدة، وهي شركة لإدارة الأصول البديلة تستثمر في الشركات الخاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
بالإضافة إلى ذلك، عمل سعيد مع وزارات المالية والمصارف المركزية في دول عربية عدة، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة، وقطر، وعُمان، والكويت، والبحرين، والأردن، حيث لعب دوراً محورياً في هيكلة وإدارة الإصدار العام وبيع الأوراق المالية للكيانات المخصخصة.
دور حاكم المصرف المركزي في صنع القرار الاقتصادي
يرى الباحث في كلية سليمان العليان للأعمال بالجامعة الأمريكية في بيروت د. محمد فحيلي أن دور حاكم مصرف لبنان أساسي في صناعة القرار الاقتصادي، حيث يعمل بالشراكة مع وزارة المالية ووزارة الاقتصاد، ضمن إطار التوجهات العامة للحكومة. ويوضح فحيلي أن الأزمة المالية التي يمر بها لبنان كانت نتيجة عوامل متعددة، أبرزها سوء إدارة المالية العامة، إضافةً إلى طريقة تمويل العجز عبر مصرف لبنان، الذي استخدم سيولة المصارف لتغطية هذا العجز.
وأضاف أن أهمية الحاكم الجديد تكمن في قدرته على ضمان استقرار القطاع المصرفي، من خلال تحقيق الاستقرار النقدي والنمو الاقتصادي وتوفير الفرص للمواطنين. وشدّد على أن تعيين الحاكم يجب أن يكون لمصلحة الوطن، وليس لخدمة المصالح السياسية الضيقة التي كانت سبباً في استنزاف السيولة وتفاقم الأزمة المالية.
التحديات الكبرى أمام الحاكم الجديد
حدد فحيلي أبرز التحديات التي سيواجهها الحاكم الجديد، والتي تتمثل في:
- تحسين التصنيف الائتماني للبنان، لاستعادة الثقة في الاقتصاد.
- التوصل إلى اتفاق تمويلي مع صندوق النقد الدولي، كخطوة ضرورية لإنقاذ الاقتصاد.
- إعادة الانتظام إلى القطاع المصرفي، بما يضمن استعادة دوره في دعم الاقتصاد الوطني.
- إعادة هيكلة القطاع المصرفي، بما يشمل تصحيح أوضاع المصارف وضمان حقوق المودعين.
- استعادة كرامة النقد الوطني، من خلال سياسات نقدية تعيد الثقة في الليرة اللبنانية.
ويمر الاقتصاد اللبناني بمرحلة حرجة تتطلب إصلاحات جذرية وتعاونًا دوليًا لدعم جهود التعافي. إن التحديات الحالية، على الرغم من صعوبتها، قد تشكل فرصة لإعادة بناء اقتصاد أكثر استدامة وعدالة.
في السنوات الأخيرة، واجه الاقتصاد اللبناني تحديات جسيمة أدت إلى تدهور ملحوظ في مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.
بدأت الأزمة الاقتصادية في لبنان عام 2019، حيث شهدت البلاد انهيارًا ماليًا أدى إلى فقدان العملة الوطنية لقيمتها وتجميد مدخرات المودعين في البنوك. في عام 2020، تفاقمت الأوضاع مع جائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت، مما أسفر عن خسائر بشرية ومادية كبيرة. بحلول عام 2023، استمر الاقتصاد في حالة ركود، مع انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.6% في عام 2022؛ وفقاً لبيانات البنك الدولي.
في أكتوبر/تشرين الأول 2023، اندلع صراع مسلح بين حزب الله وإسرائيل، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية. وتُقدر الخسائر البشرية في لبنان بأكثر من 3,768 قتيلًا و15,699 جريحًا، مع تدمير واسع للبنية التحتية، خاصة في المناطق الجنوبية. كما تسببت الحرب في نزوح حوالي 886,000 شخص داخليًا، وفرار 540,000 آخرين إلى سوريا، بحسب "رويترز".
وقدّر البنك الدولي في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 تكلفة الأضرار المادية والخسائر الاقتصادية بنحو 8.5 مليار دولار. كما توقع انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.7% في عام 2024، ما يعادل خسارة قدرها 4.2 مليار دولار في الاستهلاك والاستثمار.
وأدى الصراع إلى توقف العديد من القطاعات الاقتصادية، خاصة الزراعة والصناعة. كما شهدت القطاعات الأخرى، مثل الموضة والترفيه، تراجعًا كبيرًا بسبب انخفاض الاستهلاك والنزوح السكاني، كما أوردت "فايننشال تايمز".
في فبراير/شباط 2025، أعلنت الحكومة اللبنانية الجديدة عن نيتها التفاوض مع صندوق النقد الدولي للحصول على برنامج جديد، ومعالجة الديون العامة، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي. كما أكدت على ضرورة وضع استراتيجية أمنية جديدة، والحياد في الصراعات الإقليمية، واستئناف استكشاف النفط والغاز، بحسب "رويترز".