أرمينيا تتجه غربا.. تقارب متسارع مع الاتحاد الأوروبي وتباعد عن موسكو
في تحول دبلوماسي لافت، تتجه أرمينيا نحو أوروبا بخطى محسوبة وسط تعقيدات إقليمية متشابكة.
فالعاصمة يريفان، استضافت أول قمة ثنائية بين أرمينيا والاتحاد الأوروبي، في لحظة مفصلية تعكس سعي الأولى للانضمام إلى التكتل، بالتوازي مع محاولة فك ارتباطها التاريخي بروسيا التي كانت حليفها التقليدي.
قمة جاءت تتويجا لسلسلة لقاءات سياسية بارزة، أبرزها الاجتماع الثامن للمجموعة السياسية الأوروبية الذي جمع عددا كبيرا من القادة الأوروبيين لبحث قضايا الدفاع المشترك وتداعيات الحرب الإيرانية، قبل أن تمهد هذه اللقاءات لحوار ثنائي أثمر توقيع اتفاقية شراكة في مجال الربط، تهدف إلى تعزيز التكامل الاقتصادي والتعاون الأمني.
«لحن الصداقة».. ماكرون يغني وباشينيان يقرع الطبول في يريفان أرمينيا
زخم دراماتيكي
وبحسب تقرير لوكالة أسوشيتد برس، فإن التقارب الأرميني مع الغرب يأتي في ظل تدهور غير مسبوق في العلاقات مع موسكو، خاصة بعد الهجوم الأذربيجاني السريع عام 2023 الذي انتهى بسيطرة باكو على إقليم ناغورنو كاراباخ.
ووجهت السلطات الأرمينية آنذاك اتهامات لاذعة لقوات حفظ السلام الروسية المنتشرة في الإقليم بالتقاعس عن التحرك، بينما ردت موسكو، المنهمكة في حرب أوكرانيا، بأن تفويض قواتها لا يخولها التدخل.
منذ تلك اللحظة، انطلقت حكومة رئيس الوزراء نيكول باشينيان في سباق دبلوماسي محموم لإعادة تمركز بلاده في المشهد الدولي، فوجدت أبواب بروكسل مشرعة على مصراعيها. بحسب الوكالة.
وتجسدت رمزية هذا التوجه في مراسم افتتاح القمة، حيث سار رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا على السجادة الحمراء إلى جانب باشينيان ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، وسط أنغام فرقة عسكرية تقدمتها أعلام أرمينيا والاتحاد.
وبكلمات تكشف استراتيجية بروكسل في ملء الفراغ الجيوسياسي، أكدت فون دير لاين أن أوروبا مستعدة لجعل أرمينيا مركزا إقليميا لطرق التجارة العالمية، عبر الاستثمار في البنى التحتية المادية وإنتاج الطاقة وربطها بسوق الطاقة الأوروبية عبر البحر الأسود، فضلا عن دمج قطاعها الرقمي المزدهر في السوق الرقمية الأوروبية الموحدة.
ترافقت هذه التعهدات مع التزام مالي باستثمارات تصل إلى 2.5 مليار يورو في إطار برنامج "البوابة العالمية".
بينما شدد كوستا على أن القمة تمثل "رسالة واضحة على التزام أوروبي راسخ بتعميق العلاقات وتقريب أرمينيا وشعبها من الاتحاد".
الطريق نحو أوروبا ليس معبّدا
ورغم هذا التوجه، لا تزال أرمينيا تواجه معادلة معقدة، إذ تحتفظ بعضويتها في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي بقيادة روسيا، في وقت حذر فيه الرئيس فلاديمير بوتين من صعوبة الجمع بين التكتلين.
من جانبه، اعترف باشينيان بهذا التناقض، لكنه يتبنى نهجا براغماتيا يقوم على الحفاظ المؤقت على علاقات اقتصادية مع موسكو، بالتوازي مع تعميق الشراكة مع أوروبا.
داخليا، قد تعزز هذه التحركات موقع باشينيان قبيل الانتخابات البرلمانية المقبلة المقررة في يونيو/حزيران القادم، في ظل ضعف المعارضة.
إلا أن مراقبين يحذرون من اختزال السياسة الأرمينية في صراع بين الشرق والغرب، مشيرين إلى توجه يريفان نحو تنويع شراكاتها لتشمل قوى آسيوية مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين.
ولم تغب عن المشهد الحساسية الأذربيجانية المتصاعدة من التقارب الأوروبي - الأرميني، إذ استدعت باكو سفير الاتحاد الأوروبي لديها احتجاجا على قرار للبرلمان الأوروبي يطالب بالإفراج عن أسرى حرب أرمن وينتقد معاملة أرمن قره باغ، قبل أن يصوت برلمانها على تعليق التعاون مع البرلمان الأوروبي.
وفيما اتهم الرئيس إلهام علييف البرلمان الأوروبي بازدواجية المعايير، اندلعت في يريفان احتجاجات رفع خلالها متظاهرون صوراً لسجناء أرمن في أذربيجان، معبرين عن خشيتهم من أن يطغى بريق القمم الدبلوماسية على ملفات إنسانية لا تزال عالقة.