تعليق الجمعيات في بوركينا فاسو.. «جبهة جديدة» ضد الإرهاب (خاص)
بتعليق الجمعيات، تتخذ بوركينا فاسو خطوة تنظيمية مهمة في إطار معركتها مع الإرهاب في ظل ما يشهده البلد الأفريقي من تهديدات أمنية.
هذا ما يجمع عليه خبراء في تعقيبهم على قرار تعليق عمل مئات الجمعيات في بوركينا فاسو.
كما اعتبروا، في قراءات منفصلة لـ"العين الإخبارية"، أن الخطوة تستهدف أيضا تعزيز الشفافية في عمل الجمعيات وإعادة هيكلة العمل المجتمعي بما يخدم الاستقرار والتنمية الوطنية، في سياق محلي يسعى إلى ترسيخ الاستقرار ومواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية.
مكافحة الإرهاب
والثلاثاء، علق المجلس العسكري الحاكم في بوركينا فاسو عمل 359 جمعية بسبب "عدم تجديد هياكلها التنظيمية"، وذلك بعد أسبوع من إعلانه حل 118 جمعية أخرى، مستندًا إلى "الأحكام القانونية السارية"، بحسب إذاعة "آر إف آي" الفرنسية.
وتشمل الجمعيات التي تم تعليقها بموجب قرار صادر عن وزير الإدارة الترابية إميل زيربو، مجالات متعددة، وأشار القرار إلى أنه "خلال فترة التعليق، يسمح فقط بالأنشطة التي تهدف إلى تسوية الوضع القانوني لكل جمعية".
وفي يوليو/تموز 2025، أصدر المجلس العسكري قانونًا ينظم عمل الجمعيات والمنظمات غير الحكومية والنقابات، حيث يعيد التأكيد على حرية تكوين الجمعيات، لكنه يربطها بمتطلبات صارمة تشمل التصريح، والرقابة الإدارية، والامتثال القانوني، مع إمكانية فرض عقوبات تصل إلى الحل.
ووفقًا للسلطات، يهدف هذا القانون إلى تعزيز الشفافية، وإعداد خريطة دقيقة للجمعيات والمنظمات غير الحكومية، بالإضافة إلى مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وتواجه البلاد منذ أكثر من عقد هجمات عنيفة من جماعات مسلحة على أجزاء واسعة من أراضيها.
كما تُوجَّه أحيانًا اتهامات لبعض المنظمات غير الحكومية الدولية أو الجمعيات التي تتلقى تمويلًا خارجيًا بعدم وضوح مصادر تمويلها أو برامجها.
وفي هذا السياق، أكد رئيس الوزراء البوركيني جان إيمانويل ويدراوغو أن الدولة تسعى إلى وضع حد لهذا الوضع، مشددًا على أن "أي جمعية لن تكون أداة لأي جهة كانت".
هيكلة القطاع المجتمعي
في تعقيبها، ترى الباحثة السياسية بمركز الدراسات الأفريقية للحوكمة في أبيدجان، بولين توغبا، أن قرار تعليق عمل الجمعيات يندرج ضمن عملية إصلاح مؤسسي عميقة تهدف إلى بناء بيئة مدنية أكثر وضوحًا وتنظيمًا.
وتقول توغبا، في حديثها لـ"العين الإخبارية"، إن "الدولة، من خلال هذا القانون، تعمل على إنشاء قاعدة بيانات دقيقة للجمعيات والمنظمات غير الحكومية، ما يسمح بفهم أفضل لمصادر التمويل وأنماط النشاط، وهو ما يعزز الثقة بين الدولة والمجتمع".
وأكدت أن هذا التوجه لا يهدف إلى تقييد المجتمع المدني، بل إلى إعادة هيكلته بما يضمن فعاليته واستدامته، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها البلاد منذ سنوات.
تحديات أمنية
بحسب الخبيرة، فإن هذه الإجراءات تعكس إرادة سيادية قوية لضبط مصادر التمويل وتعزيز الحوكمة داخل المجتمع المدني، مؤكدة أن القانون الجديد يوفر إطارًا مؤسسيًا واضحًا يساعد الجمعيات على العمل بشكل أكثر احترافية وتنظيمًا.
وتضيف الباحثة الإيفوارية أن اشتراط الامتثال للقوانين والإجراءات الإدارية يعزز من مهنية العمل الجمعوي، ويدفع نحو تبني معايير الحوكمة الرشيدة، وهو ما سينعكس إيجابًا على جودة البرامج والمبادرات الاجتماعية.
كما أشارت إلى أن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب تمثل أولوية وطنية، وأن تنظيم عمل الجمعيات يعد أداة مهمة في هذا الإطار، حيث يساهم في منع أي استغلال غير مشروع للهياكل المدنية، مع الحفاظ على دورها التنموي والإنساني.
وتعتبر أن هذه الخطوة ستفتح المجال أمام جمعيات أكثر التزامًا ووضوحًا، قادرة على العمل بشراكة فعالة مع الدولة.
وبالنسبة لها، فإن هذه الخطوات تمثل فرصة لبناء شراكة أكثر توازنًا بين الدولة والفاعلين المدنيين، حيث تصبح الأنشطة أكثر وضوحًا وامتثالًا، وهو ما يدعم الاستقرار ويشجع بيئة أكثر أمانًا للاستثمار والعمل التنموي في البلاد.
"رؤية سيادية"
من جانبه، يعتبر عبدوالله سانغاري، الباحث في معهد الدراسات الأمنية في باماكو، لـ"العين الإخبارية"، أن القانون الجديد يعكس رؤية سيادية تهدف إلى تعزيز استقلال القرار الوطني وتنظيم الفاعلين داخل المجال العام.
وأكد سانغاري أن "الدولة تسعى من خلال هذا الإجراء إلى تحقيق توازن بين حرية العمل المدني ومتطلبات الأمن والاستقرار".
ولفت سانغاري إلى أن إخضاع الجمعيات لمعايير دقيقة من التصريح والرقابة الإدارية يساهم في خلق بيئة أكثر شفافية، ويمنح السلطات القدرة على تتبع الأنشطة بشكل منظم، ما يعزز من فعالية السياسات العامة.
كما رأى أن هذه الإجراءات ستؤدي إلى رفع مستوى التنسيق بين مختلف الفاعلين، وتجنب التداخل أو العشوائية في تنفيذ البرامج.
وبحسب الخبير، فإن تعليق عمل الجمعيات التي لم تستكمل إجراءاتها القانونية يمثل فرصة لإعادة ترتيب أوضاعها، بما يضمن استمرارية عملها بشكل قانوني ومنظم.
ويؤكد أن السماح لها بتسوية وضعيتها خلال فترة التعليق يعكس توجهًا إصلاحيًا يهدف إلى الإدماج وليس الإقصاء.
وأشار سانغاري إلى أن هذا الإطار القانوني الجديد يمكن أن يساهم في تعزيز ثقة الشركاء الدوليين، حيث يعكس التزام الدولة بالشفافية والمساءلة، وهو ما يدعم جهود التنمية ويشجع على استثمارات أكثر وضوحًا في القطاع المدني.