من البارود إلى «إرهاب الجوع».. كيف يغير «القاعدة» تكتيكه في بوركينا فاسو؟
سكت صوت البارود في بوركينا فاسو وتحولت المعركة مع القاعدة إلى «حرب أمعاء» يحاول التنظيم عبرها تجويع السكان تمهيدا لإخضاعهم وتجنيدهم.
ويجمع خبراء على أن الاستراتيجية التكتيكية لتنظيم القاعدة، وللجماعات المسلحة بشكل عام في الساحل الأفريقي، تجاوزت هجمات القنابل والكمائن، لتتجه نحو فرض حصار اقتصادي واستراتيجي يستهدف المدنيين ومصادر معيشتهم الأساسية.
وفي أحدث موجات هذه الحرب غير المتكافئة، أعلنت «جماعة نصرة الإسلام» (جنيم)، المرتبطة بتنظيم القاعدة، عزمها فرض حصار شامل حول أهم سوق للماشية في شرق بوركينا فاسو.
ويهدد ذلك بقطع شريان اقتصادي حيوي لسكان المنطقة وعمقها الإقليمي، وتهدف هذه التحركات إلى زيادة الضغط على الدولة والمجتمعات المحلية عبر تجويع وتخريب مواردهم.
ويعكس هذا التطور خلطًا بين الحرب الاقتصادية والتكتيكات الإرهابية التقليدية، وفق مراقبين.
«إرهاب الجوع»
في قراءته للتطورات، يرى الدكتور سرين بامبا غاي، الباحث السنغالي المتخصص في النزاعات والساحل الأفريقي، أن الجماعات الإرهابية مثل جماعة نصرة الإسلام اتجهت إلى حصار اقتصادي من خلال استهداف أسواق المواشي والموارد الأساسية هو تطور خطير في تكتيكات الإرهاب بالساحل.
ويقول غاي، لـ"العين الإخبارية"، إنه "في ماضي النزاع، كان التركيز الأساسي على الهجمات العسكرية التقليدية ضد أهداف الدولة أو القوات الأمنية، لكن التطور الأخير يظهر فهمًا عميقًا لكيفية ضرب الدولة عبر الضغط على السكان المدنيين مباشرة".
واعتبر الباحث السنغالي أن "هذه الاستراتيجية ليست مجرد تكتيك عشوائي، بل تعد جزءا من حرب نفسية واقتصادية تهدف إلى عزل المجتمع عن الدولة وتفريغها من مواردها للحياة اليومية".
وبحسب الخبير فإن سوق المواشي في فادا نغورما يمثل شريانًا اقتصاديًا مهمًا ليس فقط لبوركينا فاسو، بل لسلسلة من الأسواق عبر المنطقة.
وأشار إلى أنه من خلال قطع توريد المواشي وإغلاق حركة السلع، يعمل التنظيم على خلق ضغط اقتصادي خانق يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية وارتفاع في أسعار الغذاء، وفقدان سبل العيش.
ولفت الباحث السياسي المتخصص في الساحل الأفريقي، إلى أن هذه التكتيكات تشبه أساليب الحصار الاقتصادي للأنظمة في الحروب التقليدية، لكنها في السياق الأمني تتحول إلى أداة إرهابية لزعزعة استقرار المجتمعات وتشجيع الاستياء ضد حكوماتها.
وشدد على أن هذه "الأساليب تعكس توسعًا في استراتيجية الجماعات المسلحة العابرة للحدود، التي لم تعد تقتصر على الشعارات الدينية فقط، بل تستفيد من فقر الدولة، وضعف الخدمات الأساسية، وانعدام الأمن الاقتصادي، لتوسيع نفوذها".
ويحذر غاي من أنه إذا استمر هذا الاتجاه فقد تتحول مصادر العيش الأساسية مثل التعليم، الصحة، والأسواق الحيوية إلى أهداف لفرض سياسة الإرهاب الاقتصادي في كل بقعة من الساحل.
بث الرعب.. هدف
تحت عنوان "في بوركينا فاسو: جماعة نصرة الإسلام تريد فرض حصار حول سوق المواشي في فادا نغورما"، قالت إذاعة "آر إف إي" الفرنسية، إن التنظيم فرض حصارا على سوق المواشي في فادا نغورما بشرق بوركينا فاسو.
وأعلن التنظيم الإرهابي في رسالة صوتية بثت يوم السبت الماضي نواياه منع السوق من العمل، من خلال حظر توريد الماشية إليه أو القدوم إليه للتزود.
ويعد سوق المواشي في فادا نغورما الأكبر ببوركينا فاسو وواحدًا من أهم الأسواق في كامل المنطقة الفرعية.
ومنذ الأحد الماضي عقب تهديدات "جماعة نصرة الإسلام"، لم يعمل سوق المواشي في فادا نغورما بشكل طبيعي، ولم يبلغ الرعاة والتجار عن هجوم إرهابي، لكنهم أوضحوا عدم وصول أي ماشية جديدة من الخارج لتزويد السوق، وعدم خروج أي رؤوس ماشية من المدينة أيضًا.
ونقلت الإذاعة الفرنسية عن أحد رعاة الأغنام، قوله: "لقد تحقق هدف الإرهابيين، فالجميع هنا يشعر بالخوف"، كما يقول أحد المترددين على السوق الذي لم يعد يجرؤ على الذهاب إليه".
ويجري الجيش عمليات منتظمة في المنطقة حيث يكون التنظيم الإرهابي نشطًا جدًا عبر شن هجمات على أهداف عسكرية، وعلى الجامعة، وحتى اختطاف جنود منتشرين في فادا نغورما.
وقال أحد الرعاة أيضاً: "المدنيون الأصليون محاصرون بين تهديدات الإرهابيين وتهم الجيش لهم بالتواطؤ، ويعتمد سكان فادا على سوق المواشي"، معتبراً أن غياب هذا الرئة الاقتصادية سيمنع كثيرين من البقاء للعيش هنا.
كما يغذّي سوق المواشي في فادا نغورما أسواقًا أخرى كثيرة في بوركينا والدول المجاورة.
تكتيك أشمل
من جانبها، تقول ميراي أفا-ميندزي، الباحثة الكاميرونية في معهد الدراسات الأمنية، والمتخصصة في النزاعات والأمن الإقليمي بأفريقيا، إن ما يحدث في بوركينا فاسو ليس ظاهرة معزولة بل امتداد لتكتيك واسع يستخدمه الإرهابيون في الساحل لتحقيق مكاسب استراتيجية أكبر.
وتوضح ميندزي لـ"العين الإخبارية"، أن "الإرهابيين في السنوات الأخيرة بدأوا يستهدفون خطوط الإمداد الحيوية، من طرق نقل الوقود إلى الأسواق الكبرى، بهدف خلق أزمات تؤثر بشكل مباشر على حياة المدنيين".
واعتبرت ميندزي أن ما يجري يشكل حربا اقتصادية، محذرة في الآن نفسه أنه يمكن أن تكون له تأثيرات أعمق وأبعد مدى من الهجمات المسلحة التقليدية.
وقالت ميندزي إن الانقطاع المتواصل في إمدادات السوق يقوض الأمن الغذائي ويشجع تهجير السكان من المناطق الريفية نحو المدن، ما يحدث ضغطًا على المناطق الحضرية ويُثقل كاهل السلطات المركزية، ويحول السكان إلى عبء اقتصادي وأمني إضافي.
وأشارت ميندزي إلى أن "تجويع المجتمع عبر تعطيل مصدر رزقه يُعد تكتيكًا متعمدًا لإضعاف ثقة الناس في قدرة الدولة على ضمان الحماية والخدمات الأساسية".
وبالنسبة لها، فإن "تركيز الجماعات المسلحة على المواشي تحديدًا يكشف فهمًا لكيفية استغلال موارد العيش التقليدية لدى المجتمعات الرعوية في الساحل" الأفريقي.
وختمت بالقول إن "الماشية تعتمد في الثقافة الاقتصادية على الزراعة والرعي، وليست مجرد سلعة، بل تمثل شبكة أمان اجتماعية واقتصادية، كما أن استهداف هذا القطاع يعزز من تفكك النسيج الاجتماعي، ويفتح الباب أمام التجنيد الإجباري أو الضغط على الأسر لقبول شروط الإرهابيين".