خبيرة بيئية: السلوك الغذائي في رمضان ينعكس مباشرة على المناخ
يشكل شهر رمضان فرصة روحية وأخلاقية لإعادة ضبط السلوكيات الفردية والجماعية، وفي مقدمتها الاستهلاك الغذائي.
فكما يدعونا الصوم إلى تهذيب النفس وضبط الشهوات، فإنه يرسخ أيضا مبدأ بيئيا أصيلا في القيم الإسلامية، وهو «عدم الإسراف». وفي ظل تصاعد التحديات المناخية، يكتسب هذا المبدأ بعدا جديدا، إذ إن الإفراط في استهلاك الطعام وهدره لا يقتصر أثره على الجانب الأخلاقي، بل يمتد ليطال الموارد الطبيعية والمناخ والأمن الغذائي.
ومن هذا المنطلق، يمكن تعزيز المفاهيم الدينية الداعية إلى الاستدامة خلال الشهر الفضيل؛ إذ إن الإسراف يؤدي إلى استنزاف الموارد الطبيعية وزيادة المخلفات، ما ينعكس سلبًا على البيئة. كما أن ترسيخ هذا المبدأ يمرّ عبر نشر الوعي بعدم إهدار الطعام، وتشجيع إعادة استخدامه أو تدويره بطرق مسؤولة.
وبالفعل، تُنظَّم العديد من الحملات للتوعية بخطورة هدر الطعام وترسيخ مبادئ عدم الإسراف التي يحثّ عليها الدين الإسلامي. وفي هذا السياق، أجرت "العين الإخبارية" حوارا مع نهاد عواد، منسّقة الحملات والتواصل العالمي في مشروع «أمّة لأجل الأرض»، التابع لمنظمة غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث قدّمت خلال الحوار نصائح لقراء «العين الإخبارية» حول اتباع عادات مستدامة وصديقة للبيئة خلال شهر رمضان الكريم.
هل لاحظتِ زيادة في هدر الطعام خلال شهر رمضان مقارنة ببقية أيام السنة؟
نعم، تشير الدراسات والإحصاءات إلى أن هدر الطعام غالبًا ما يزداد خلال شهر رمضان مقارنة بالأشهر الأخرى. ويعود ذلك إلى طبيعة الوجبات والتجمعات الكبيرة والاستهلاك المفرط للغذاء، مع اختلاف النسب بين بلد وآخر.
فعلى سبيل المثال، ووفقًا لبعض التقارير الإعلامية الصادرة عام 2025، يتم التخلص من نحو 30% من الطعام الذي يُحضّر يوميًا خلال شهر رمضان ورميه في سلة المهملات بدلًا من استهلاكه، ما يشير إلى زيادة ملحوظة في معدلات الهدر مقارنة بالأشهر العادية.
وفي بعض الدول العربية، تتراوح نسبة الهدر بين 25% و50%. ووفقًا لوزارة البيئة والمياه والزراعة في السعودية، قد يتجاوز نصيب الفرد من هدر الغذاء 184 كيلوغرامًا سنويًا، مع زيادة ملحوظة في كمية الطعام المهدور خلال شهر رمضان بسبب الإفراط في التحضير والعزائم.
وفي ماليزيا، ووفقا لما نشره موقع The Star، ارتفع هدر الطعام في بعض الأسواق الرمضانية عام 2023 بنسبة تقارب 45% مقارنة بالعام السابق.
من واقع خبرتكِ، ما العلاقة بين هدر الطعام وتغيّر المناخ؟
يسهم هدر الطعام، أو النفايات الناتجة عنه، في تعميق أزمة تغيّر المناخ بصورة غير مباشرة. إذ تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى أن الغذاء المفقود والمهدور مسؤول عن نحو 8 إلى 10% من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة عالميًا.
ولا يقتصر الأثر على مرحلة التخلص من الطعام، بل يبدأ منذ الإنتاج، حيث تُهدر المياه والطاقة والأراضي الزراعية لإنتاج طعام لا يُستهلك، ثم يتفاقم الأثر عند تحلل الطعام في المكبّات مطلقًا غاز الميثان، وهو من أقوى الغازات الدفيئة القادرة على حبس الحرارة.
كيف يسهم إنقاذ فائض الطعام في الحد من الانبعاثات؟
يسهم تجنب هدر الطعام وإنقاذ الفائض منه أو التبرع به في تقليل الانبعاثات الكربونية الناجمة عن القطاع الغذائي على مستويات عدة.
أولًا، يمنع وصول الطعام الصالح للأكل إلى المكبّات، حيث يتحلل ويُطلق غاز الميثان.
ثانيًا، يقلل الحاجة إلى إنتاج طعام بديل، ما يوفّر الانبعاثات الناتجة عن الزراعة والتصنيع والتغليف والنقل.
وثالثًا، يخفف الضغط على الموارد الطبيعية، مثل المياه والأراضي، ما يسهم في خفض البصمة الكربونية للنظام الغذائي عمومًا.
هل لديكم تقديرات لكمية الطعام التي يتم إنقاذها سنويًا؟
لا تتوفر أرقام دقيقة على مستوى العالم حول كمية الطعام التي يتم إنقاذها سنويًا. ومع ذلك، هناك جهود متزايدة عالميًا ومحليًا لإنقاذ الطعام الفائض وإعادة استهلاكه أو استخدامه.
وتسهم هذه الجهود بفاعلية في التصدي لتغيّر المناخ وتعزيز الاستدامة، إذ تقلل من انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة عن تحلل الطعام في المكبّات، وتخفض البصمة الكربونية المرتبطة بإنتاج ونقل وتخزين الغذاء، ما يحمي الموارد الطبيعية ويعزز الأمن الغذائي في مجتمعات عديدة.
كيف يمكن التعامل مع الطعام الذي لا يمكن إعادة توزيعه؟
يمكن خلال شهر رمضان الاستفادة من فائض الطعام بدل هدره. فمن الممكن تناول ما يتبقى من وجبة الإفطار في السحور، أو استخدام فائض السحور في إفطار اليوم التالي، مع الحرص على التخزين الآمن.
كما يمكن اللجوء إلى التسميد العضوي (الكومبوست) لتحويل بقايا الطعام غير الصالحة للاستهلاك إلى سماد يُستخدم في تحسين التربة، ما يقلل انبعاثات الميثان مقارنة برميها في المكبات.
والأهم من ذلك تحضير الطعام بكميات مدروسة ومناسبة، لا فائضة. وإذا تم إعداد كميات زائدة، يمكن توزيعها قبل الإفطار على العائلات في المجتمع المحلي، خاصة الأكثر احتياجًا.
ما هي نصائحك لإدارة الطعام خلال رمضان؟
تبدأ إدارة الطعام من لحظة شراء المواد الغذائية، مرورًا بتحضير الوجبات، وصولًا إلى كيفية التعامل مع الفائض. ومن أبرز النصائح:
- عدم الإفراط في الشراء، فشهر رمضان لا يرتبط بكمية الطعام، بل بقيمته ومعناه.
- الحذر من أساليب التسويق التي تدفع إلى شراء أكثر من الحاجة.
- تقليل استهلاك اللحوم وتجربة أطباق نباتية جديدة، نظرًا للأثر البيئي المرتفع لإنتاج اللحوم.
- تفضيل المنتجات المحلية لدعم الاقتصاد المحلي وتقليل البصمة الكربونية للنقل.
- إعادة استخدام بقايا الطعام بطريقة آمنة.
- تناول الطعام ببطء ووعي لتجنب الإفراط.
- التبرع بفائض الطعام بدل التخلص منه.
هل تستطيع الأسر دعم هذه الجهود؟
تهدف حملة «أمّة لأجل الأرض» خلال شهر رمضان إلى نشر الوعي بكيفية عيش هذا الشهر بطريقة أكثر انسجامًا مع البيئة. وتؤمن الحملة بقدرة جميع الأفراد على إحداث فرق حقيقي من خلال تبنّي عادات صديقة للبيئة داخل منازلهم ومجتمعاتهم.
ويمكن للعائلات التركيز على ترشيد الاستهلاك الغذائي، وإدارة النفايات بشكل مسؤول عبر تقليل استخدام البلاستيك، لا سيما أحادي الاستعمال في موائد الإفطار، واستبداله بأدوات قابلة لإعادة الاستخدام. كما يمكن ترشيد استهلاك الكهرباء والمياه، خاصة أثناء الوضوء وتحضير الطعام وغسل الخضراوات والفواكه، وتجنّب الزينة الرمضانية البلاستيكية واستبدالها بزينة مستدامة.
وتختم عواد بدعوة للتأمل في الأثر الجماعي: تخيّلوا حجم التأثير الإيجابي إذا التزمت ملايين الأسر المسلمة حول العالم بعيش شهر رمضان بأسلوب مستدام وصديق للبيئة.