أدلة البحرين تُحاصر مزاعم إيران.. أبعاد وتداعيات توثيق الاعتداءات (خاص)
منشآت مدنية وصناعية، ومبانٍ سكنية، ومرافق حيوية، مواقع طالتها الاعتداءات الإيرانية الغادرة، تحولت إلى أدلة مادية حملتها البحرين إلى مجلس الأمن، في خطوة لم تقتصر على توثيق الاعتداءات، وإنما استهدفت تفكيك الرواية الإيرانية أمام المجتمع الدولي.
فبملف حمل صورا ووثائق، وضعت البحرين مجلس الأمن أمام اختبار جديد بشأن قدرته على ترجمة الأدلة إلى مساءلة وردع، بعد أن أثبتت أن ما جرى من اعتداءات إيرانية يمثل نمطًا ممنهجًا من استهداف المدنيين والبنية التحتية، لا استهدافا لمنشآت عسكرية كما تزعم طهران.
خطوة اعتبرها خبراء استطلعت «العين الإخبارية» آراءهم، تضيق مساحة الإنكار، وتوسع دائرة التساؤلات حول مسؤولية المجتمع الدولي في مواجهة الاعتداءات المتكررة والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي التي لا تهدد البحرين فحسب، بل تزعزع أمن المنطقة.
دلالات الخطوة البحرينية
وإلى ذلك، قال البرلماني البحريني السابق والمحلل السياسي بوخالد جمال بوحسن، إن لجوء مملكة البحرين إلى مجلس الأمن يعكس نهجًا راسخًا في سياستها الخارجية يرتكز على احترام القانون الدولي والتمسك بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وتفضيل المسارات الدبلوماسية والقانونية على أي خيارات أخرى.
وأوضح البرلماني البحريني السابق، أن اللجوء إلى المجلس ليس مجرد خطوة إجرائية، بل رسالة تؤكد أن أمن البحرين وسيادتها جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن والسلم الدوليين، مشيرًا إلى أن البحرين ترسخ مبدأ الحلول الدبلوماسية في مختلف القضايا.
فـ«البحرين أرادت من خلال هذه الخطوة توثيق الاعتداءات التي تعرضت لها ضمن إطار دولي رسمي، ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه أي انتهاك يستهدف دولة ذات سيادة أو يهدد أمن المدنيين واستقرار المنطقة»، يضيف البرلماني السابق، مؤكدًا أن المنامة استندت في ملفها إلى لقطات تظهر آثار الاعتداءات الإيرانية، فضلا عن جمعها شهادات المتضررين من المدنيين، بالإضافة إلى أجزاء الصواريخ والمسيرات التي تحمل العلم الإيراني والممهورة باللغة الفارسية.
شهادات وأدلة وثقت طبيعة الهجمات، وتوقيتها، وآثارها، والإجراءات التي اتخذتها الجهات المختصة للتعامل معها، جعلت موقف البحرين أكثر قوة ورسوخا في تحركاتها الدولية بقدر ما يستند إلى أدلة موثقة وموثوقة، مما يمنح المنامة مصداقية أكبر أمام المجتمع الدولي، ويعزز من موقفها القانوني، يقول بوخالد.
وأوضح أن التوثيق البحريني يهدم الرواية الإيرانية، ويفضح مزاعمها، مطالبًا بموقف دولي واضح وحازم، لأن التغاضي عن مثل هذه الانتهاكات قد يشجع على تكرارها ويهدد الأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين.
رسائل حازمة
وأوضح أن مملكة البحرين أرادت إيصال رسائل سياسية عبر عقد الجلسة الطارئة، أبرزها:
- أمن البحرين وسيادتها خط أحمر لا يجوز المساس به.
- أي اعتداء على الأراضي البحرينية يمثل انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
- البحرين تؤمن بالعمل الجماعي الدولي، وتدعو إلى تحمّل المجتمع الدولي مسؤولياته في حماية الأمن والاستقرار.
- استهداف المدنيين أو المنشآت المدنية أمر مرفوض ومدان مهما كانت الذرائع.
- استقرار منطقة الخليج ركيزة أساسية للأمن الإقليمي والدولي، وأي تهديد له ستكون له تداعيات تتجاوز حدود المنطقة.
سند قانوني
في السياق نفسه، قال أستاذ القانون الدولي العام، الدكتور محمد محمود مهران، إن توجيه البحرين خطاباً رسمياً لمجلس الأمن الدولي موثقاً للاعتداءات الإيرانية الغادرة التي استهدفت أراضيها، يمثل استثماراً قانونياً موثقاً استثنائياً يمنح المجتمع الدولي سنداً قانونياً وأدلة ميدانية لمحاسبة طهران.
وأكد أن الوثائق التي أرسلتها المنامة تحمل أهمية قانونية مضاعفة لأنها تُثبت أن آخر هذه الهجمات جاءت بعد توقيع إيران على مذكرة تفاهم إسلام آباد في السابع عشر من يونيو/حزيران التي تضمنت تعهداً صريحاً بوقف دائم للعمليات العسكرية، مما يشكل أساساً قوياً للتحرك الأممي إذا استوفت ثلاثة معايير يعتمدها مجلس الأمن في تقييم الأدلة المقدمة.
وحول تلك المعايير التي يعتمدها مجلس الأمن، قال إنها تتمثل في:
أولاً.. الموثوقية:
وتشمل مصدر الأدلة ودرجة تحققها من مصادر مستقلة
ثانياً.. الخطورة:
تشمل طبيعة الانتهاك وما إذا كان يمثل تهديداً للسلم والأمن الدوليين بموجب المادتين 39 و41 من ميثاق الأمم المتحدة.
ثالثاً.. الاستمرارية:
إذ أثبتت الوثائق البحرينية أن الهجمات تكررت مرتين خلال يومين متتاليين وهو ما وصفه البيان البحريني بأنه نهج ممنهج لا حادث معزول.
وأشار أستاذ القانون الدولي إلى أن قرار مجلس الأمن 2817 الذي تقدمت به البحرين نيابة عن دول الخليج والأردن وحظي بدعم 136 دولة يمنح الملف زخماً دولياً استثنائياً.
استهداف المنشآت المدنية مجرم قانونا
فاستهداف المنشآت المدنية وفق القانون الدولي الإنساني يُجرَّم بموجب ثلاثة نصوص ملزمة لا تقبل الجدال وهي المادة 48 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف التي تُلزم أطراف النزاع بالتمييز في جميع الأوقات بين المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، والمادة 51 التي تحظر الهجمات العشوائية التي لا تستثني المدنيين، والمادة 52 التي تحصر الأعيان المشروعة للهجوم في الأهداف العسكرية دون سواها، يقول أستاذ القانون الدولي، الذي أكد أن استهداف مجمعات سكنية وبنية تحتية مدنية في البحرين يشكل جريمة حرب صريحة بموجب المادة 8 من نظام روما الأساسي.

ولفت إلى أن التوصيف القانوني لهذه الأفعال يتصاعد بتكرارها لثلاثة مستويات متدرجة؛ وهي أولاً انتهاك سيادة دولة بموجب المادة الثانية فقرة 4 من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر استخدام القوة ضد سلامة الأراضي، وثانياً جرائم حرب بموجب نظام روما إذا ثبت استهداف المدنيين أو الأعيان المدنية بشكل متعمد، وثالثاً جرائم عدوان بموجب تعريف العدوان الوارد في قرار الجمعية العامة 3314 لعام 1974 الذي يعتبر القصف بأسلحة أي دولة لأراضي دولة أخرى عدواناً صريحاً.
المسؤولية القانونية:
وأكد أن المسؤولية القانونية لإيران إذا ثبت تورطها تشمل ثلاثة أبعاد متوازية وهي المسؤولية الدولية للدولة بموجب مواد لجنة القانون الدولي لعام 2001 وتستوجب التوقف الفوري عن الفعل غير المشروع وتقديم ضمانات عدم التكرار وتعويض الضرر بالكامل، والمسؤولية الجنائية لمرتكبي الأوامر بالقصف أمام المحكمة الجنائية الدولية، والمسؤولية التضامنية للدول التي قدمت دعماً لهذه الهجمات.
محاسبة المعتدين
وأشار أستاذ القانون الدولي إلى أن الوثائق البحرينية المرسلة لمجلس الأمن يمكن توظيفها لاحقاً أمام جهات قضائية دولية مثل المحكمة الجنائية الدولية لمحاسبة الأفراد المسؤولين، مؤكداً أن تكرار الهجمات يُحوّل التوصيف القانوني من جريمة حرب معزولة إلى نمط إجرامي ممنهج ينطوي على سبق الإصرار والترصد وهو ما يستوجب عقوبات أشد بموجب القانون الجنائي الدولي.
ورأى الدكتور مهران أن البحرين وضعت الملف في المكان الصحيح بإرساله لمجلس الأمن، مطالباً بتفعيل قرار الجمعية العامة 377 المعروف بـ"الاتحاد من أجل السلام" الذي يتيح للجمعية العامة التصرف حين يعجز مجلس الأمن عن أداء مسؤولياته وهو المسار القانوني البديل الذي يجب أن تلجأ إليه البحرين ودول الخليج، وكل المجتمع الدولي لوقف انتهاكات كل الأطراف والتي أضرت بالعالم والمنطقة خاصة دول الخليج.