من هو؟ أو ما هويته؟ وبطاقة الهوية.. لا يمرُّ يوم إلا ويُسأل المرء عن هويته، لقضاء أمر أو أداء خدمة.
وفي عصر أصبح فيه التنظيم الدقيق لعلاقات البشر السمة الأساسية لحسن تدبير الشؤون العامة والخاصة، كان لا بد من بيان حدود هذه الهوية التي تتجاوز، في الحقيقة، الفردَ لترتسم هويةٌ مجتمعية تتكوَّنُ مع مر التاريخ، لتنسج شبكة الانتماء التي تشكل الحصن الذي يحتمي به الفردُ في الملَمَّات، وفي المقابل يُنتظر منه أن يُبدي لها من الولاء ما يكفي ليستظل بظلها.
وتأخذ الهوية مكوناتها من جغرافية البشر والمكان، ومن صفحات التاريخ وما كان من تقلُّب الأمور ورُسوِّها في نهاية المطاف على حالٍ تجمع المشتَرَك بين أصحابها، وإنْ كنا لا نخالُها باقيةً جامدة إلى الأبد، بل هي ماضية تتغذى في طريقها بما يعزز كينونتها ويشد على عناصرها من دين ولغة وعادات ومعرفة وغير ذلك، مما انتهى إليه تطور الجماعة واُتفق على أنه الوعاء الرئيس لهويتها وعنوانها.
وقد لا تكون الهوية مرتبطة بجغرافية تعبر عنها، ولكنها تكون هوية في أسمى معانيها، عندما تسعى إلى التدثر بجغرافيةٍ مكانية واجتماعية عقائدية معينة تعبر عن ماهيتها في إطار نظام سياسي واجتماعي معين.
فالهوية في جوهرها ليست مجرد اسم أو وثيقة رسمية، بل هي منظومة متكاملة من القيم والانتماءات والخصائص التي تميّز الفرد أو الجماعة، وتتكون من عناصر متعددة كالدين واللغة والتاريخ والجغرافيا والعادات والتقاليد. وهي كيان حيّ يتطور مع الزمن، يتأثر بالتحولات السياسية والاجتماعية، ويعيد تشكيل نفسه بما يحافظ على تماسكه واستمراريته.
ولا تقف الهوية عند حدود الفرد، بل تمتد لتشكل هوية وطنية جامعة تعبّر عن انتماء الإنسان إلى دولة ومجتمع، وتمنحه شعورًا بالأمان والانتماء والمصير المشترك.
وفي هذا الإطار، تبرز المواطنة باعتبارها الرابطة القانونية والسياسية التي تنظم العلاقة بين الفرد والدولة، حيث تقوم على توازن دقيق بين الحقوق والواجبات. فالمواطنة ليست مجرد انتماء شكلي، بل هي ممارسة يومية تتجسد في الالتزام بالقوانين، والمشاركة في بناء المجتمع، والإسهام في استقراره وتقدمه ونماءه.
ومن خلالها تتحدد مكانة الفرد داخل الدولة، ويُقاس مدى اندماجه في نسيجها الاجتماعي والسياسي.
أما الولاء، فهو البعد الأعمق الذي يمنح المواطنة معناها الحقيقي، إذ لا يقتصر على المشاعر، بل يتجلى في المواقف والسلوك، خاصة في أوقات الأزمات. فالولاء الصادق يظهر حين تتعرض الدولة لتحديات، فيقف الفرد إلى جانبها، مدافعًا عن استقرارها ومصالحها، ومقدمًا المصلحة العامة على أي اعتبارات أخرى. ومن هنا، فإن الولاء لا ينبغي أن يكون موزعًا بين انتماءات متعارضة، لأن ازدواجية الولاء تضعف تماسك المجتمع وتهدد وحدة الدولة.
إن العلاقة بين الهوية والمواطنة والولاء علاقة تكاملية؛ فالهوية تمنح الإطار الثقافي والاجتماعي، والمواطنة توفر الأساس القانوني والسياسي، بينما يمدّ الولاء هذه العلاقة بروح الالتزام والانتماء الحقيقي. ولا يمكن لأي مجتمع أن يحقق الاستقرار والتقدم دون ترسيخ هذه المفاهيم في وعي أفراده، عبر مؤسسات التنشئة المختلفة كالأُسرة والتعليم والإعلام، التي تسهم في بناء شخصية المواطن وتعزيز انتمائه الوطني.
بالنظر إلى واقع الشرق الأوسط، يبرز نمط من الولاءات ذات الطابع المذهبي أو العقدي لدى بعض الأفراد، وهو ما قد يتقاطع مع مفهوم الانتماء الوطني.
ففي بعض الحالات، يقدّم البعض ولاءً لهوية عقائدية تتجاوز حدود وأمن الدولة/الوطن، بما قد يخلق حالة من التصادم عندما تتعارض هذه الولاءات مع الإطار القانوني والسياسي والاجتماعي للوطن، وتصل إلى حالة الخيانة عندما تهدد الأمن المجتمعي والسياسي للوطن.
وأخيرًا، إذا كانت الهوية الوطنية تمثل شبكة الانتماء التي تجمع مختلف فئات المجتمع، وكانت الجنسية هي الإطار القانوني المنظِّم لهذه العلاقة، فإن الولاء يُعدّ صمام الأمان للوطن بما يشمله من مجتمع وشعب وإقليم جغرافي، وما يقوم عليه من استقرار ونظام سياسي.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة