بعد تمرد بنزيما ورونالدو.. هل بدأ موسم الهجرة من الدوري السعودي؟
تحولت تجربة الدوري السعودي للمحترفين لمحط اهتمام العالم في السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ انتقال الأسطورة البرتغالي كريستيانو رونالدو إلى نادي النصر.
في تلك الفترة، رأى البعض هذه الصفقة على أنها نهاية لمسيرة البرتغالي الذي كان على مشارف الثامنة والثلاثين، وعانى من خلافات مع مدربه الهولندي إيريك تين هاغ في نهاية مشواره مع مانشستر يونايتد الإنجليزي.
لكن لم تكن هذه هي الحقيقة.. فكريستيانو رونالدو فتح الباب أمام نجوم عمالقة حولوا الدوري السعودي للمحترفين إلى مسابقة تنافس دوريات أوروبا الكبرى، سواء في المستوى الفني للاعبين الناشطين بها، والذي انعكس في تتويج الأهلي بطلاً لآسيا لأول مرة في تاريخه، أو في إقناع نجوم آخرين بخوض التجربة.
لكن ما ميز الدوري السعودي وتجربته عن تجارب أخرى مثل التجربة الصينية، وهو النموذج الفاشل الذي توقع البعض لـ"روشن" أن يسقط مثله، هو انضمام نجوم شباب وفي وسط العمر من دوريات وفرق أوروبا الكبرى للمسابقة، على عكس ما كان يحدث في التجربة الصينية التي اعتمدت على النجوم الكبار، ومثلها الدوري الأمريكي، وأي مسابقة تنتظر رديف الدوريات الأوروبية.
لكن في الوقت الحالي، انتقل نجوم في أوج عطائهم وفي مقتبل عمرهم للمسابقة السعودية، مثل الإنجليزي إيفان توني في الأهلي، والذي وقع للفريق بعمر 27 سنة و7 أشهر.
وهناك الحارس السنغالي إدوارد ميندي المنضم للأهلي في سن 31 سنة، وفي النصر هناك الآن جواو فيليكس (25 سنة عند الانتقال للعالمي)، إلى جانب أمثلة أخرى عديدة.
لكن يبدو أن هناك هجرة عكسية بدأت تحدث لتقلب المشهد، ولو بشكل نسبي، بسبب عدة عوامل مختلفة، لكن الغريب أن أحد هذه العوامل هو المال.

نجوم رحلوا أو طلبوا الرحيل من الدوري السعودي
من حين إلى آخر ترحل أسماء عن الدوري السعودي للمحترفين من نجوم القارة العجوز، حيث تحولت أندية روشن لوجهة رحيل وعودة مثلها مثل فرق أوروبا.
لكن الأزمة الأخيرة للفرنسي كريم بنزيما مهاجم الاتحاد، والبرتغالي كريستيانو رونالدو في النصر، وبعيداً عن حجم النجمين اللذين يعدان أكبر هدافين في تاريخ ريال مدريد الإسباني، جعلت الجدل يدور حول المسابقة، ومستقبل النجوم الكبار بها.
وبالنسبة لبنزيما، الذي ينتهي عقده في صيف العام الحالي، فإن إدارة الاتحاد لم تعرض عليه المبلغ المالي الذي يليق به للتجديد، بحسب المهاجم الفرنسي، الذي اعتبر العرض المقدم له بمثابة إهانة، ليرفض خوض المباريات مع الفريق وآخرها لقاء النجمة (الأحد).
لكن بنزيما لم يطلب الرحيل عن الدوري السعودي، حيث إن اسم ثاني أكبر هداف في تاريخ ريال مدريد ارتبط بالانتقال للغريم الهلال متصدر الدوري.
لكن هذا الارتباط استفز كريستيانو رونالدو الذي قرر بدوره عدم لعب مباراة الرياض (الإثنين)، بسبب ما وصفه بسوء المعاملة الذي يلقاه ناديه، على حسب رأيه، من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وعدم الإنفاق على النادي لدعم صفوفه بالشكل الذي يوازي ما يحدث لفريق مثل الهلال.
وهنا قد تتسبب صفقة بنزيما في رحيل الاسم الذي جلب الشهرة وأغرى كل النجوم بالانتقال للدوري السعودي، وهي أمور أكدها لاعبون مثل نيمار دا سيلفا عند انتقاله للهلال، وساديو ماني عند توقيعه للنصر، بأن الدون كان له دور كبير في قراريهما.
وحتى لو لم يصرحا، فإن تأثير رونالدو على دوري المحترفين السعودي أكبر بكثير من أي اسم آخر.
نجوم هجروا الدوري السعودي
في الآونة الأخير رحل نجمان عن الهلال لدوريات أوروبية وتحديداً الدوري الإسباني، هما جواو كانسيلو لبرشلونة والبرازيلي ماركوس ليوناردو الذي وافق الزعيم على انتقاله لأتلتيكو مدريد.
في حالة ماركوس ليوناردو فإن اللاعب لديه رغبة في الوجود في أوروبا كي يقنع مدربه في منتخب البرازيل كارلو أنشيلوتي بضمه لقائمة كأس العالم التي ستقام في أمريكا والمكسيك وكندا.
أما فيما يخص كانسيلو فإن المسألة غير واضحة، خاصة أن صفقة انتقال البرتغالي للبارسا هي أيضاً إعارة لنهاية الموسم، ومن ثم فإن ربطها بالوجود في كأس العالم لا يمكن استبعاده.
لكن هناك ما يتردد عن وجود غضب من كانسيلو بسبب رفع اسمه من القائمة المحلية للهلال حتى يناير الفائت رغم أنها مسألة طبيعية.
وهناك اتهام للدولي البرتغالي بأنه شخصية متمردة، يدرك أهميته وقدرته على اللعب في أكثر من مركز، مما يدخله مع مدربيه في العديد من الأزمات.

لكن هناك حالات أخرى يكون فيها الانفصال بدافع من أندية روشن نفسها، ومنها البرازيلي نيمار، ثالث أهم اسم مر على المسابقة، بعد رونالدو وبنزيما.
لكن البرازيلي عانى من كم إصابات مثير للسخرية والجدل ولم يلعب مع الهلال إلا 7 مباريات سجل فيها هدفاً يتيماً وذلك على مدار سنة ونصف في وقت كان يتقاضى فيه راتباً قيمته 150 مليون يورو في السنة، وفقا للتقارير.
حالة أخرى تتمثل في جوردان هندرسون قائد ليفربول الإنجليزي الأسبق، الذي لعب للاتفاق لكنه قرر الرحيل في مطلع 2024 بعد ستة أشهر لم تكن موفقة له.
وأكد هندرسون الذي كان سعيداً بالتجربة في بدايتها أنه لم يتمكن من التأقلم على اللعب في الدوري السعودي.
وبجانب الراحلين، ارتبطت أسماء أخرى بالرحيل خلال الفترة المقبلة، بينها الفرنسي موسى ديابي لاعب الاتحاد الذي ارتبط اسمه بالانتقال إلى إنتر ميلان الإيطالي، وإيفان توني الذي رجحت تقارير إمكانية عودته إلى الدوري الإنجليزي من جديد.
تجديد الدماء في الدوري السعودي
من جانب آخر، فإن أحد الأسباب التي تحدثت عنها تقارير عربية وعالمية فيما يخص هجرة النجوم فهو أنها خطة لتجديد الدماء، في ظل ارتباط المسابقة الخليجية بنجوم عالميين طوال الوقت، ومن ثم ضرورة إيجاد طرق لرحيل آخرين.
ويتعلق الأمر بالرواتب المدفوعة، فمن أجل ضم لاعب بحجم المصري محمد صلاح هداف ليفربول الأول في آخر 8 سنوات أو البرازيلي فينيسيوس جونيور جناح ريال مدريد، يجب أن تخرج أسماء أخرى وهكذا.
وفي ظل وجود أزمة رواتب متأخرة لدى فرق الدوري السعودي أيضاً، فإنه لا مجال لضم لاعبين برواتب خيالية في ظل وجود أسماء كبيرة.

أزمة الرواتب في الدوري السعودي
كانت أندية الدوري السعودي للمحترفين حاضرة دوماً في قضايا الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" بشأن الرواتب المتأخرة ومستحقات لاعبين ومدربين لا تدفع عبر سنوات، وهي أزمة تخيل كثيرون أنها انتهت مع دخول عصر صندوق الاستثمارات العامة ومنح رواتب سنوية بـ200 و150 مليون يورو.
لكن أطل (الإثنين) عبر صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية الكاتب عبد العزيز الغيامة في مقاله ليؤكد أن الشبح لم يختف بعد، حيث "تطل أزمة تأخر رواتب اللاعبين في بعض الأندية في الدوري السعودي للمحترفين لكرة القدم برأسها هذا الموسم لتشكّل إنذاراً مبكراً باختلال منظومة الصرف المالي، وتبرز خللاً لا يمكن احتواؤه بحلول وقتية كما نفعل دائما".
ويضيف: "المسألة، في حقيقتها، لا تتعلق فقط برواتب شهر أو شهرين أو حتى أربعة، وإنما بمنظومة مالية كاملة تحتاج إلى إعادة ضبط على أساس الاستدامة، لأن أكبر خطر يهدد أي دوري في العالم في ظني ليس ضعف النتائج ولا تراجع الجاذبية الإعلامية، وإنما الانفلات في الصرف دون غطاء اقتصادي مستدام".
ويدق الكاتب السعودي ناقوس الخطر محذراً من الاعتماد الدائم والكلي على الدعم الحكومي لصندوق الاستثمارات العامة لأنه يستحيل أن يكون هو الأساس قائلاً: "الحقيقة التي يجب أن يعرفها المسؤولون أن الاستدامة المالية لا يمكن أن تبقى مسؤولية جهة واحدة، مهما كان حجم دعمها".
وأضاف: وزارة الرياضة تقوم بدور كبير ومقدر، لكنها لا تستطيع وحدها سد فجوات تتسع كلما ارتفع سقف الطموحات.. هنا يبرز الغياب الواضح للقطاع الخاص السعودي، الذي لا يزال حضوره في الاستثمار الرياضي محدوداً، ومتردداً، وغير متناسب مع حجم السوق ولا مع قوة الشركات العاملة فيها".

وأكمل: "المستثمر الرياضي المحلي، في كثير من الحالات، لا يدفع ما يكفي لسد العجز، ولا يدخل بمنطق الشراكة طويلة الأمد، وإنما يكتفي بخطوات رمزية لا تصنع فارقاً حقيقياً".
ورغم تأكيد الكاتب على أن الدوري السعودي تحول لوجهة مثالية للمستثمرين فإنه يشدد على أن هناك حالة تردد تعيشها الشركات المحلية التي تخشى الاستثمار في المسابقة، معلقاً: "المفارقة في الحقيقة أن السوق السعودية اليوم أكثر جاذبية من أي وقت مضى، ومع ذلك تعيش عشرات الشركات الكبرى حالة تردد غريبة، تحتاج إلى تفسير صريح على اعتبار أن بعضها يستثمر في الرياضة بمبالغ زهيدة قياساً بإيراداته الضخمة".