خيول أكثر ودبابات نصفها غير جاهزة.. مفارقة تكشف أزمة الجيش البريطاني
في تحول يثير الدهشة ويكشف عن واقع الجيش البريطاني الحالي، أصبح لدى بريطانيا اليوم خيول أكثر من دباباتها.
هذا الواقع الغريب ليس مجرد إحصاء غريب، بل انعكاس لتقليص القوة المدرعة على مدى عقود، في وقت تهيمن فيه الأسلحة الحديثة والطائرات المسيرة على ساحة المعركة، فيما تبقى الدبابات التقليدية أقل جدوى في مواجهة تهديدات القرن الحادي والعشرين.
فالجيش البريطاني اليوم يعيش مفارقة استراتيجية: دباباته أقل عددًا وأكثر من نصفها قد لا تكون جاهزة للقتال، بينما الخيول، رمز الماضي العسكري، لا تزال في الخدمة، أغلبها لأغراض احتفالية.
هذه التشكيلة تعكس كيف اختلطت التراث العسكري مع الواقع العملياتي، ومدى التحديات التي تواجه الدول الغربية في إعادة هيكلة قواتها البرية لمواكبة الحروب المستقبلية، حيث التكنولوجيا والطائرات بدون طيار أعادت تعريف القوة النارية والقدرة القتالية على الأرض.
وفي عام 2013، أثارت تقارير هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) دهشة الجمهور، إذ ذكرت أن الجيش البريطاني لديه خيول أكثر من دباباته. في ذلك الوقت، كان الجيش يمتلك 334 دبابة فقط قيد الخدمة، بما في ذلك دبابة القتال الرئيسية تشالنغر 2 (MBT)، بينما كان لديه 501 حصان، أغلبها لأغراض احتفالية مع فرقة الملك للفنون الملكية الحصانية وسلاح الفرسان الملكي الشهير.
وعلى مدى العقد الماضي، واصل الجيش البريطاني تقليص قوته من الدبابات، بينما بقي عدد الخيول تقريبًا عند 500. واليوم، أصبح التفاوت أكبر؛ إذ يوجد ضعف عدد الخيول في الخدمة مقارنةً بالدبابات. وتشير التقديرات الحالية إلى أن الجيش البريطاني يشغّل بين 227 و288 دبابة قتال رئيسية، وأكثر من نصفها قد لا تكون جاهزة للقتال.
لم يكن هذا هو أول مرة يمتلك فيها الجيش البريطاني خيولًا أكثر من الدبابات. ففي الحرب العالمية الأولى، امتلك الجيش البريطاني نحو مليون حصان، بما في ذلك لأدوار قتالية، إلا أن 62 ألفًا فقط نجوا من الحرب، بينما كان لديه نحو 2600 دبابة بحلول عام 1918.
ومع ظهور الشاحنات لأغراض الإمداد خلال الحرب وبعدها، تضاءلت الحاجة للخيل بشكل كبير. وبعد جيل واحد تقريبًا، خلال الحرب العالمية الثانية، كان الاستخدام الفعلي للخيول من قبل الجيش البريطاني مقتصرًا على قوات الجنرال أورد وينغيت وغزاة تشينديت في بورما، حيث كانت الخيول والبغال تنقل الإمدادات خلف خطوط العدو.
آخر معارك الدبابات البريطانية
ولقد مر أكثر من 20 عامًا منذ أن استخدم الجيش البريطاني دباباته في عمليات قتالية فعلية. استخدمت دبابات تشالنغر 2 البريطانية خلال غزو العراق في 2003، وكانت جزءًا مهمًا من القوات البرية. وشارك الجيش في معركة البصرة بين 21 مارس/آذار و6 أبريل/نيسان 2003، وهي أكبر معركة دبابات في الحرب، حيث تضررت دبابتان بريطانيتان، بينما دمر الحرس الملكي الأسكتلندي 14 دبابة عراقية في نفس الاشتباك.
وبلغت ذروة الدبابات البريطانية خلال حرب الخليج عام 1991، حيث سيطرت على ساحة المعركة. قاتلت أطقم الدبابات البريطانية جنبًا إلى جنب مع القوات الأمريكية في معركة نورفولك، والتي سميت نسبةً لـ«عملية نورفولك»، وهي المنطقة التي تتقاطع فيها عدة طرق صحراوية ويوجد فيها مستودع إمدادات عراقي كبير.
كانت المعركة في أواخر فبراير/شباط 1991 انتصارًا كبيرًا للتحالف، حيث دمرت القوات البريطانية والأمريكية نحو 850 دبابة عراقية ومئات المركبات الأخرى.
كانت تلك التجربة تذكيرًا بما يمكن أن تفعله دبابات القتال البريطانية على ساحة المعركة. ومع ذلك، فقد قلبت الخسائر الهائلة للدبابات الروسية في أوكرانيا على أيدي الطائرات المسيرة والأسلحة المحمولة المضادة للدبابات هذه المفاهيم، لتطرح السؤال: هل دبابات القتال الرئيسية لا تزال مطلوبة في القرن الحادي والعشرين؟
الجيش البريطاني يمتلك دبابات أقل
لم يتخلَّ الجيش البريطاني تمامًا عن دباباته، فهناك جهود تطوير مستمرة لدبابة تشالنغر 3، وهي ترقية كبيرة لدبابة تشالنغر 2 القديمة، تشمل دروعًا معيارية من الجيل الجديد، ونظام الحماية النشط «رافائيل تروفي»، ودرعًا مركبًا.
تم تطوير الحماية المعيارية من قبل فريق خبراء الدروع في مختبر العلوم والتكنولوجيا الدفاعية البريطاني (DSTL)، بدعم إضافي من وزارة الدفاع البريطانية وإدارة الدعم والتجهيزات الدفاعية (DE&S) وRBSL، كما سيتم تجهيز الأبراج الجديدة على هياكل الدبابات.
ومن المقرر أن تتلقى 148 دبابة تشالنغر 2 من الجيش البريطاني هذه الترقية، ما قد يبقي الدبابات في الخدمة حتى الأربعينيات من هذا القرن.
وتسعى الولايات المتحدة أيضًا لتحديث دباباتها M1 Abrams بإصدار M1E3، الذي تم كشفه مؤخرًا في معرض ديترويت للسيارات، كما تراجعت عن خططها لإحالة معظم وحدات الخيول الاحتفالية إلى التقاعد، محتفظة بوحدتين للاستخدام الاحتفالي، بالإضافة إلى وحدات «الحرس القديم» المستخدمة في الجنائز العسكرية الرفيعة المستوى، لكن على عكس بريطانيا، من المرجح أن تحافظ الولايات المتحدة على عدد دبابات أكبر من الخيول في المستقبل المنظور.
وأخيرًا، حتى مع امتلاك الجيش البريطاني خيولًا أكثر من الدبابات، تجدر الإشارة إلى أن البحرية الملكية البريطانية الآن لديها أدميرالات أكثر من سفن الحرب القتالية!
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQxIA== جزيرة ام اند امز