في قلب القطب الشمالي.. بريطانيا تحول «الذعر» إلى أداة قتالية
على امتداد الجليد الأبيض في أقصى شمال النرويج، يخوض جنود مشاة البحرية الملكية البريطانية واحدة من أقسى مراحل إعدادهم القتالي، عبر الذعر.
ولا يُنظر إلى الصدمة أو الذعر بوصفهما نقاط ضعف، بل كأدوات تدريبية مقصودة لصقل غريزة البقاء في بيئة يُتوقع أن تكون مسرحًا لأي مواجهة محتملة مع روسيا.
وفي معسكر «فايكنغ»، القاعدة البريطانية الرئيسية في القطب الشمالي، يبدأ الاختبار بدفع الجنود عبر فتحة محفورة في جليد بحيرة متجمدة. هذا الغوص المفاجئ في المياه القاتلة ليس تمرينًا جسديًا فحسب، بل تجربة نفسية صُممت لاستحضار رد الفعل الغريزي «القتال أو الهروب».
وبينما يكافح الجنود للخروج، يُطلب منهم استعادة السيطرة الذهنية عبر ذكر أسمائهم وأرقامهم العسكرية وطلب الإذن بالمغادرة، بل وإلقاء نكتة أحيانًا، في اختبار صارم للتركيز تحت وطأة الصدمة، بحسب صحيفة التايمز البريطانية.
ويتمركز حاليًا نحو 1500 جندي كوماندوز في المعسكر، في أكبر انتشار بريطاني بالمنطقة منذ أكثر من عقدين، ضمن ما تصفه لندن بأنه استجابة مباشرة لتزايد النشاط العسكري الروسي على مقربة من الحدود النرويجية. وتُعد هذه القوات من بين وحدتين فقط في الجيش البريطاني قادرتين على الانتشار القتالي الكامل خلال 48 ساعة أو أقل.

ويؤكد المقدم كريس أرمسترونغ، قائد الكتيبة «30 كوماندوز»، أن الشمال الأقصى يمثل محورًا استراتيجيًا بالغ الأهمية. ويقول: «هنا تمر خطوط الإمداد الحيوية المتجهة إلى المملكة المتحدة، وهذه هي المنطقة الوحيدة في العالم التي تستطيع روسيا من خلالها تهديد بريطانيا بشكل مباشر»، مشيرًا إلى قرب القاعدة من الأسطول الشمالي الروسي المتمركز في مورمانسك.
وتبرز ضمن هذا الانتشار «الكتيبة 30 كوماندوز»، وهي وحدة نخبوية أسسها إيان فليمنغ، مبتكر شخصية جيمس بوند، خلال الحرب العالمية الثانية. وتتخصص الكتيبة في تنفيذ عمليات استطلاع وتخريب خلف خطوط العدو في البيئات القطبية القاسية، خاصة عندما تتعطل أنظمة الاتصال التقليدية.
ويعتمد أفراد الكتيبة على تحويل قسوة المناخ إلى سلاح ضد الخصم، عبر استهداف نقاط الضعف في اللوجستيات والقيادة. ويوضح أرمسترونغ: «في هذه البيئة، إذا قطعت الوقود أو الدفء، تنتهي المعركة فورًا. البرد يقتل قبل الرصاص». وتشمل التكتيكات التي يجري التدريب عليها إحداث انهيارات ثلجية متعمدة لقطع طرق الإمداد وشل حركة القوات المعادية.
وتضم الوحدة فصائل متخصصة في القنص والاستطلاع وتسلق الجبال، حيث يجري تدريب الجنود على عبور مسارات تخريبية تمتد لمئات الأميال عبر هضبة «هاردانغرفيدا» الجليدية، مستخدمين وسائل غير تقليدية للتنقل، من النزول بالحبال من المروحيات إلى الإنزال البرمائي في المضايق البحرية، فضلًا عن القدرة على البقاء في البرية لأسابيع دون دعم.
وأجبرت الدروس المستخلصة من الحرب في أوكرانيا هذه القوات على إعادة تشكيل نفسها بوصفها «قوة أخف وزنًا وأكثر تشتتًا». ويقول أرمسترونغ إن التجمعات الكبيرة أصبحت أهدافًا سهلة للطائرات المسيّرة، ما دفع الوحدات إلى العمل في فرق صغيرة مستقلة لتقليل البصمة الميدانية.

وينعكس هذا التحول بوضوح في وحدات الدعم المدرعة داخل معسكر فايكنغ. فمركبات «فايكنغ» القتالية، القادرة على العمل في درجات حرارة تقل عن 31 درجة مئوية تحت الصفر، لم تعد تتحرك في قوافل كبيرة، بل في مجموعات صغيرة من ثلاث مركبات فقط، تعمل على مسافات آمنة من خطوط التماس، وتُستخدم لإنزال القوات المتخصصة في أطراف المناطق المعادية.
وخلال تدريبات ميدانية حديثة، حاكت الوحدات سيناريوهات هجوم بالطائرات المسيّرة ونيران الأسلحة الخفيفة، حيث تدرب الجنود على الرد السريع، وإخلاء المركبات، والانسحاب عبر الثلوج تحت الضغط.
ويؤكد وزير القوات المسلحة البريطانية، آل كارنز، الذي شارك في بعض هذه التدريبات، أن ما يجري في شمال النرويج يتجاوز المناورات التقليدية. ويقول: «هذه تدريبات استعداد لحرب حقيقية. نحن نعد قواتنا للرد الفوري إذا أقدمت روسيا على خطوات غير متوقعة. ما نشهده اليوم هو انتقال فعلي من منطق المناورات إلى منطق الجاهزية القتالية الدائمة».

وبهذا، تحول معسكر «فايكنغ» إلى نقطة ارتكاز متقدمة في استراتيجية بريطانيا وحلف شمال الأطلسي.