خداع الاسترخاء.. الماريجوانا تحرم المراهقين من ذكائهم الفطري للأبد
حذرت دراسة علمية واسعة من أن تعاطي القنب خلال مرحلة المراهقة قد يرتبط بزيادة خطر الإصابة باضطرابات نفسية خطيرة في مرحلة لاحقة من الحياة، في وقت لا يزال فيه الدماغ في طور النمو والتشكّل.
في فرنسا، يقدر أن أول تجربة للقنب تحدث في سن مبكرة جدًا، بمتوسط يقارب 15 عامًا فقط. وفي هذا العمر، قد ينظر كثير من المراهقين إلى الأمر على أنه مجرد تجربة اجتماعية بين الأصدقاء، دون إدراك حقيقي للعواقب المحتملة على الدماغ، بحسب موقع "ما سانتيه" الطبي الفرنسي.
كشفت دراسة أمريكية واسعة نشرت عام 2026 في مجلة “جاما هيلث فوروم”، شملت أكثر من 463 ألف مراهق تمت متابعتهم حتى مرحلة البلوغ، صورة أكثر تعقيدًا.
ولاحظ الباحثون وجود ارتباط بين تعاطي القنب في سن المراهقة وارتفاع خطر الإصابة باضطرابات نفسية لاحقًا، خصوصًا الذهان والاضطراب ثنائي القطب.

ماذا يحدث في الدماغ أثناء التعرض المبكر للقنب؟
ويشير الباحثون إلى أن مادة “THC”، وهي المركب النفسي الفعّال في القنب، تتفاعل مع نظام عصبي حساس يُعرف بـ“نظام الإندوكانابينويد”، وهو مسؤول عن تنظيم عمليات دقيقة داخل الدماغ أثناء النمو.
وتكمن المشكلة في أن دماغ المراهق لم يكتمل نموه بعد، إذ تستمر بعض المناطق الحيوية في التطور حتى سن 25 عامًا تقريبًا، وعلى رأسها القشرة الجبهية المسؤولة عن اتخاذ القرار وضبط السلوك والتحكم في الانفعالات.
أي تدخل خارجي في هذه المرحلة الحساسة قد يؤثر على آليات التعلم، والذاكرة، وتنظيم المشاعر، وهي وظائف أساسية لبناء شخصية مستقرة نفسيًا.
ارتباطات مع اضطرابات نفسية
أظهرت الدراسة أن المراهقين الذين يستخدمون القنب لديهم معدلات أعلى للإصابة باضطرابات نفسية في مرحلة البلوغ مقارنة بغير المستخدمين. وأبرز النتائج كانت ارتفاع خطر الذهان بنحو 2.2 مرة، وتضاعف خطر الاضطراب ثنائي القطب، وزيادة معتدلة في حالات الاكتئاب والقلق.
لكن الباحثين يؤكدون أن هذه النتائج لا تعني أن القنب “يسبب مباشرة” هذه الأمراض، بل تشير إلى وجود ارتباط إحصائي، مع احتمال تدخل عوامل أخرى مثل الاستعداد الوراثي أو البيئة الاجتماعية أو وجود اضطرابات نفسية مسبقة.
لماذا المراهقون أكثر عرضة؟
يرى الأطباء النفسيون أن مرحلة المراهقة تمثل فترة حساسة للغاية، حيث يكون الدماغ في حالة إعادة تشكيل مستمرة. وتحديدًا، فإن المناطق المسؤولة عن التفكير المنطقي واتخاذ القرار تكون في طور النضج، ما يجعلها أكثر عرضة للتأثر بالمواد المؤثرة نفسيًا.
كما أن التعرض المبكر والمتكرر قد يزيد من احتمالية ظهور اضطرابات كامنة لدى أشخاص لديهم استعداد وراثي أو تاريخ عائلي مع الأمراض النفسية.
تأثيرات على النوم والاعتماد النفسي
رغم أن بعض المستخدمين يعتقدون أن القنب يساعد على النوم، إلا أن الدراسات تشير إلى أنه قد يضعف جودة النوم على المدى الطويل، ويؤثر على المراحل العميقة منه المرتبطة بالذاكرة والاستشفاء النفسي.
ومع الاستخدام المتكرر، قد يدخل البعض في حلقة اعتماد نفسي، حيث يصبح القنب وسيلة للنوم رغم أنه يضعف جودة النوم نفسه.
قنب اليوم ليس كقنب الماضي
تشير بيانات حديثة إلى أن نسبة “THC” في القنب المتداول اليوم أعلى بكثير مما كانت عليه قبل عقود، إذ قد تتجاوز 25% في بعض الأنواع غير القانونية، مقارنة بنسبة كانت لا تتجاوز 4% في تسعينيات القرن الماضي.
هذا الارتفاع يجعل التأثيرات النفسية والعصبية أكثر حدة، خاصة لدى المستخدمين الصغار أو المتكررين.
انتشار واسع بين الشباب
في فرنسا، يُعد القنب أكثر المواد المخدرة غير القانونية انتشارًا بين الشباب. وتشير التقديرات إلى أن نحو نصف المراهقين البالغين 17 عامًا جربوه مرة واحدة على الأقل، بينما يستخدمه حوالي 7% بشكل منتظم.
هذا الانتشار الواسع، إلى جانب انخفاض الإحساس بالمخاطر، يثير قلق المختصين، خاصة مع اعتبار بعض المراهقين له مادة “طبيعية” وغير ضارة، رغم التحذيرات الطبية المتزايدة.
وتؤكد الدراسات الحديثة أن القنب ليس مادة “بسيطة” أو “آمنة” خلال فترة المراهقة، بل قد يرتبط باضطرابات نفسية لاحقة، خصوصًا عند الاستخدام المبكر أو المتكرر، أو لدى الأشخاص الأكثر عرضة وراثيًا.
ورغم أن معظم المراهقين الذين جربوه لن يصابوا بأمراض نفسية خطيرة، إلا أن الأدلة العلمية تشير بوضوح إلى أن الدماغ في مرحلة النمو يكون أكثر حساسية للتأثيرات العصبية لمادة THC، ما يجعل الوقاية والتوعية في هذه المرحلة أمرًا بالغ الأهمية.