«قمة أنقرة» وإعادة ضبط «الناتو».. خطة شاملة لتجاوز الخلافات
تنعقد القمة الرابعة والثلاثون لحلف شمال الأطلسي (الناتو) بأنقرة، يومي 7 و8 يوليو/تموز، في أجواء يطغى عليها القلق أكثر من التفاؤل.
إذ يواجه حلف شمال الأطلسي، ومعه العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا التي يقوم عليها الحلف، أزمة توصف بأنها "غير مسبوقة" منذ 77 عاما.
ووفقاً لموقع "ريسبونسبل ستيت كرافت"، لا تعود جذور هذه الأزمة إلى صعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2016، وإنما إلى تحولات هيكلية بدأت منذ انتهاء الحرب الباردة، حين بدأت مصالح وأولويات ضفتي الأطلسي تتباعد بصورة متزايدة.
ويشير التقرير إلى أن الحلف أُسس في الأساس لردع الاتحاد السوفياتي ومنع تمدده إلى أوروبا الغربية، ولم يُصمم للتعامل مع البيئة الاستراتيجية التي أعقبت عام 1991، والتي باتت فيها أوروبا قادرة، نظرياً، على إدارة علاقتها مع روسيا بشكل مستقل من خلال مزيج متوازن من الردع والانخراط.
وفي هذا السياق، يرى الموقع، أن استمرار الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الأمني الرئيسي للقارة الأوروبية لم يعد يتماشى مع أولوياتها الاستراتيجية الجديدة، التي باتت تتركز على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ونصف الكرة الغربي، إلى جانب تعزيز الاقتصاد الأمريكي داخلياً.
كما يعتبر أن محاولات الإدارات الأمريكية السابقة لإعادة التوازن داخل الحلف لم تحقق أهدافها، لأنها ركزت على زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي، دون معالجة القضية الجوهرية المتمثلة في انتقال الأوروبيين إلى تحمل مسؤوليات وقدرات أساسية في منظومة الأمن الأوروبي.
وفي هذا الإطار، يطرح التقرير مبادرة "ناتو 3.0"، التي تقودها الإدارة الأمريكية عبر وكيل وزارة الحرب للسياسات إلبريدج كولبي، باعتبارها أول محاولة مؤسسية جادة للانتقال من مفهوم تقاسم الأعباء إلى نقلها فعلياً.
ويرى أن التخفيضات الحالية في أعداد القوات الأمريكية بأوروبا، التي ينفذها البنتاغون، تمثل خطوة أولى نحو توحيد منظومة الدفاع الأوروبية، داعياً إلى المضي أبعد من ذلك عبر تقليص الوجود العسكري الأمريكي إلى نحو 20 ألف جندي، تقتصر مهامهم بصورة رئيسية على الخدمات اللوجستية والصيانة والدعم الفني والإسناد.
ويؤكد التقرير، أن الإدارة الأمريكية تدرك أن مثل هذا التقليص ينبغي أن يُفرض باعتباره واقعاً جديداً، لأن أي محاولة للتوصل إلى توافق داخل الحلف ستواجه بمعارضة من عدد من القادة الأوروبيين الذين لا يزالون يفضلون استمرار الولايات المتحدة في دور الضامن الرئيسي للأمن الأوروبي.
كما يدعو إلى إعادة توزيع واضحة للأدوار داخل الحلف، انطلاقاً من أن الناتو تحالف لشمال الأطلسي وليس لتحالفات المحيطين الهندي والهادئ، معتبراً أن محاولات صياغة موقف موحد تجاه الصين ستظل محدودة الجدوى بسبب اختلاف المصالح الأوروبية والأمريكية، فضلاً عن أنها تصرف اهتمام الأوروبيين عن مسؤوليتهم الأساسية المتمثلة في الدفاع عن أراضيهم.
ويرى التقرير أن إعادة هيكلة الالتزامات العسكرية الأمريكية لا تكفي وحدها لإصلاح العلاقة عبر الأطلسي، مشيراً إلى أن الحرب في أوكرانيا أظهرت أن واشنطن لن تتمكن من تقليص حضورها العسكري بصورة مستدامة طالما بقيت أوروبا عالقة في دائرة تصعيد مستمر مع روسيا، بما يجعل أي نزاع إقليمي قابلاً للتحول إلى أزمة أمنية أوسع تستدعي التدخل الأمريكي، ما لم تُرسخ ترتيبات طويلة الأمد تضمن الاستقرار بين الشرق والغرب.
وانطلاقاً من رؤية "ناتو 3.0"، يدعو التقرير إلى إعادة تركيز الحلف على مهمته الأصلية المتمثلة في الدفاع عن أراضي الدول الأعضاء ضمن حدود واضحة ودائمة، بدلاً من توسيع دوره ليشمل تعزيز الديمقراطية على المستوى الدولي.
ويرى أن هذا التوجه يجب أن ينعكس بوضوح في هيكل الحلف ورسائله ومخرجاته السياسية والعسكرية، مؤكداً أن تحقيق ردع أوروبي فعال يقتضي في الوقت نفسه إنشاء قنوات تواصل عملية مع موسكو.
كما يعتبر أن أي خطة أمريكية لخفض الوجود العسكري ينبغي أن ترتبط بحوار أمني متعدد الأطراف مع روسيا، يستهدف التوصل إلى تفاهمات تشمل قيوداً على نشر القوات في الجناح الشرقي للحلف، وضمانات قانونية بعدم الاعتداء على دول الناتو، إضافة إلى إطلاق مسار جديد للحد من التسلح.
ويخلص التقرير إلى أن هذا النهج يمثل سياسة أكثر واقعية، لا تخدم المصالح الأمريكية فحسب، بل تصب أيضاً في مصلحة أوروبا، من خلال إرساء ضوابط دبلوماسية ملزمة تخفف أعباء الردع العسكري.