من قصر فرساي إلى وزارة الثقافة.. كاترين بيغار في مهمة جديدة
تستعد الساحة السياسية في فرنسا لمرحلة جديدة في وزارة الثقافة مع تعيين كاترين بيغار وزيرةً للثقافة خلفًا لرشيدة داتي التي قررت مغادرة الحكومة للتفرغ لحملتها في الانتخابات البلدية بباريس.
ويأتي اختيار بيغار ليعكس توجهًا نحو شخصية تجمع بين الخبرة الإعلامية العميقة والدراية الدقيقة بدهاليز القرار السياسي في أعلى مستوياته، بحسب إذاعة RTL الفرنسية.
وكاترين بيغار، البالغة من العمر 71 عامًا، ليست اسمًا طارئًا على الحياة العامة الفرنسية. قبل دخولها المعترك السياسي، بنت مسارًا مهنيًا بارزًا في الصحافة، حيث عملت لسنوات في مجلة لو بوان، واكتسبت سمعة قوية كمحللة سياسية ذات شبكة علاقات واسعة داخل النخبة الحاكمة.
هذا القرب من دوائر القرار مهّد لها الانتقال إلى قصر الإليزيه عام 2007، حين عيّنها الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي مستشارةً سياسية، وهو منصب شغلته حتى عام 2011، وكانت خلاله من الشخصيات المؤثرة في صياغة الرسائل السياسية للرئاسة.
مسيرتها عرفت تحولًا بارزًا عندما تولت رئاسة قصر فرساي، أحد أهم الصروح الثقافية والتاريخية في فرنسا والعالم. تعيينها جاء في عهد الرئيس فرنسوا هولاند، قبل أن يتم تمديد ولايتها لاحقًا في ظل رئاسة إيمانويل ماكرون، في مؤشر على الثقة العابرة للتيارات السياسية التي حظيت بها.
وخلال إدارتها لفرساي، أشرفت على مشاريع ترميم وتحديث كبرى، وعملت على تعزيز الحضور الدولي للمؤسسة عبر شراكات ثقافية ومعارض عالمية، ما عزز مكانة القصر كمركز إشعاع ثقافي ودبلوماسي.
تُعرف بيغار بشخصيتها المتحفظة وحرصها الشديد على السرية، وهي سمة لازمتها منذ عملها الصحفي ثم السياسي. وقد صرحت في إحدى المقابلات بأنها بنت علاقتها مع السياسيين على الثقة المتبادلة، مؤكدة أنها لم تخن تلك الثقة يومًا. هذا الطابع الكتوم جعلها توصف داخل الأوساط السياسية بأنها بعيدة عن الأضواء، لكنها حاضرة بقوة في الكواليس، قادرة على إدارة الملفات الحساسة بهدوء وفاعلية.
توليها حقيبة الثقافة يضعها أمام تحديات معقدة، في مقدمتها دعم الصناعات الثقافية في ظل التحولات الرقمية، وتأمين تمويل مستدام للمؤسسات الفنية، وتعزيز مكانة الثقافة الفرنسية عالميًا في سياق تنافسي متزايد.
كما يُنتظر أن تستثمر خبرتها في إدارة مؤسسة ثقافية كبرى مثل قصر فرساي لإعادة هيكلة بعض آليات العمل داخل الوزارة، بما يوازن بين حماية التراث ودعم الإبداع المعاصر.
بهذا التعيين، تنتقل كاترين بيغار من إدارة أحد رموز التاريخ الفرنسي إلى قيادة السياسة الثقافية للدولة، في مرحلة تتطلب مزيجًا من الحنكة السياسية والرؤية الثقافية الاستراتيجية، وهو المزيج الذي راكمته عبر عقود من العمل بين الإعلام والسلطة والمؤسسات الثقافية الكبرى.