دبلوماسية المصالح.. حرب إيران تفتح نافذة تنسيق حذر بين أمريكا والصين
قد تحتاج الولايات المتحدة إلى مساعدة جهة غير متوقعة لمنع اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط.
تعد الصين القوة الخارجية الوحيدة التي تمتلك الدافع والوسائل للضغط على طهران لخفض التصعيد خاصة وأن الصراع طويل الأمد سيهدد أمن الطاقة الصيني، ويزعزع استقرار منطقة محورية لمصالحها التجارية.
ورغم التنافس بين واشنطن وبكين، فإن مصالح الولايات المتحدة قد تعتمد على التعاون مع الصين وذلك وفقا لما ذكرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية التي أشارت إلى الخطر المحدق بأسواق الطاقة وسلاسل التوريد واستقرار الشرق الأوسط.
ولا يقتصر الخطر على حرب أطول بين إسرائيل وإيران فحسب بل إن اتساع نطاق الصراع يورط الولايات المتحدة بشكل أعمق، ويهدد البنية التحتية في المنطقة، ويعطل مضيق هرمز الحيوي للطاقة العالمية.
ويعد استمرار الحرب أمرًا واردًا لأن الأطراف المتحاربة الرئيسية لا تزال لديها دوافع لمواصلة القتال حيث تعتقد إسرائيل أن الضغط العسكري المتواصل، خاصة مع استمرار الدعم الأمريكي، قادر على إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كبير، وربما حتى الإطاحة بالنظام.
أما إيران فترى الصراع من منظور مختلف، لكن لديها دوافعها الخاصة لمواصلة القتال، فبالنسبة لها يعد البقاء بحد ذاته نوعًا من النصر فإذا استطاع النظام الصمود فسيمكنه الادعاء بأنه استعاد قوة الردع وأثبت أن أي محاولة للإطاحة به ستكبد خصومه خسائر فادحة.
ولدى إيران عدة وسائل لزيادة هذه الخسائر من خلال إطلاق الصواريخ والمسيرات على نطاق واسع، إضافة إلى إغلاق مضيق هرمز واستهداف منشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه وتوليد الكهرباء وشبكات الاتصالات.
وبالنسبة للولايات المتحدة يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دخلت الصراع دون استراتيجية واضحة طويلة الأمد لكيفية إنهائه، وافترضت أنه سيكون عملية سريعة مثلما حدث في فنزويلا من خلال الإطاحة بالمرشد وتشجيع الفصائل الأكثر براغماتية داخل النخبة، وتغيير مسار السياسة الإيرانية دون الحاجة إلى التزام عسكري أمريكي طويل الأمد لكن لا توجد مؤشرات تذكر على تحقيق هذه النتيجة.
وهنا يمكن للصين أن تلعب دورًا محوريًا خاصة وأنها دائما ما تعاملت مع الشرق الأوسط من منظور اقتصادي أكثر منه عسكريًا وكان أبرز نجاح دبلوماسي لها هو التوسط في التقارب السعودي الإيراني عام 2023.
ولا ترغب الصين في التورط في حروب المنطقة، لكنها حريصة كل الحرص على منع صراع قد يزعزع استقرار منطقة منتجة للنفط ويعطل طرق التجارة البحرية الحيوية للاقتصاد الصيني.
ويفسر هذا المنطق حذر بكين وفي حين يرى بعض المحللين الصينيين مكاسب استراتيجية في تورط الولايات المتحدة في حرب أخرى في الشرق الأوسط إلا أن البعض يرى أن إيران ما بعد رفع العقوبات قد تتيح فرصًا تجارية أوسع.
لكن الرأي الأكثر واقعية، والذي يرجح أنه الأقرب إلى القيادة الصينية، هو أن استمرار عدم الاستقرار أو انهيار النظام في إيران سيضر بالصين أكثر مما ينفعها.
ولا تزال إيران أحد معاقل الصين الجيوسياسية القليلة ذات الأهمية في الشرق الأوسط فإذا انزلقت إلى حرب أهلية أو اضطرابات طويلة الأمد، ستفقد بكين نفوذها في منطقة عملت فيها بصبر على توسيع نفوذها كما أن الفوضى في إيران قد تمتد إلى الخارج، مما يؤدي إلى تفاقم عدم الاستقرار في آسيا الوسطى بالقرب من الحدود الغربية للصين.
والأهم من ذلك، أن اتساع نطاق الحرب سيهدد مصالح الصين في مجال الطاقة بشكل مباشر حيث يذهب جزء كبير من النفط المنقول عبر مضيق هرمز إلى الأسواق الآسيوية، وبالأخص إلى الصين، التي تستورد حوالي ٥ ملايين برميل من النفط الخام يوميًا، أي ما يُعادل ثلث إجمالي ما يمر عبر المضيق.
وبالتالي فإن بكين لديها القدرة على العمل وفقاً لمصلحتها الذاتية فهي أكبر مستورد للنفط الإيراني، وشريكها الاقتصادي الأهم بلا منازع.
وفي 2025، صدرت إيران نحو 520 مليون برميل من النفط الخام إلى الصين، ما يعني أن بكين تشتري حوالي 90% من صادرات طهران النفطية، وتستحوذ على نحو ثلث إجمالي تجارة إيران.
وبالفعل أشارت الصين إلى رغبتها في لعب دور دبلوماسي فتحدث وزير خارجيتها مع نظرائه في مختلف أنحاء المنطقة، وأرسلت بكين مبعوثها إلى الشرق الأوسط للمساعدة في تهدئة التوترات.
وعلى الأقل، تستطيع الصين استخدام علاقتها الاقتصادية مع طهران للضغط من أجل منع المزيد من التصعيد ويمكنها إرسال سفن لمرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، في إشارة إلى التزامها بالأمن البحري.
لا يعني هذا أن الصين ستبرز كصانع سلام جديد في الشرق الأوسط فهي لا تزال تتجنب المخاطر، ومن غير المرجح أن تعرض موقعها الاستراتيجي الأوسع للخطر باتخاذ خطوات جذرية لكن هذا الحذر هو ما يمنحها المصداقية هنا فهي تريد احتواء الحرب، ولديها نفوذ على أحد الأطراف الرئيسية، ومثل العديد من القوى الإقليمية، لا تستفيد من استمرار التصعيد، وفق فورين بوليسي.
وفي وقت تتسم فيه العلاقات الأمريكية الصينية بالتنافس، قد يمثل الشرق الأوسط مجالًا ضيقًا ولكنه بالغ الأهمية للتقارب بين الجانبين.
بالنسبة للصين، يسهم احتواء الصراع في حماية مصالحها الجوهرية وتعزيز مكانتها كقائدة عالمية مسؤولة، أما بالنسبة للولايات المتحدة، فقد يكون التعاون لخفض التصعيد أكثر جدوى من مجرد تحقيق مكاسب إضافية في صراع القوى العظمى.
ويمكن تنسيق هذا الجهد من خلال مجلس التعاون الخليجي الذي ترتبط دوله بعلاقات ودية مع الولايات المتحدة والصين، كما توجد سابقة في المنطقة للتعاون الأمني متعدد الأطراف، وهي الجهود المشتركة لمكافحة القرصنة حول القرن الأفريقي بدءًا من عام 2008.