صفر نفايات وأرباح إضافية.. دمج الاقتصاد الدائري في البنية التحتية
ما أهمية دمج الاقتصاد الدائري في البنية التحتية والإنشاءات؟
تتبنى القطاعات المختلفة مفاهيم الاستدامة خلال السنوات الماضية، في محاولة لإنقاذ الكوكب والحفاظ على موارده والحد من مخاطر تغير المناخ، ومن جهة أخرى، لتعزيز الاقتصاد العام.
ومن هذا المنطلق، ظهر مفهوم "الاقتصاد الدائري"، وهو عبارة عن نموذج اقتصادي يهدف إلى تحقيق الاستفادة القصوى من الموارد المتاحة، من خلال تقليل الهدر وإعادة استخدام المواد وتصميم منتجات من جديد بنمط إعادة تدويرها، ويُشجع هذا النموذج على تصنيع منتجات صديقة للبيئة يسهل إعادة استخدامها، وهو بذلك يُقلل استهلاك المواد الخام والطاقة، وتحويل المخلفات إلى منتجات. وهو نموذج يختلف عن النموذج الخطي التقليدي الذي يقوم على الاستخراج ثم الاستخدام ثم التخلص.
وانطلقت اليوم الثلاثاء، فعاليات النسخة الثانية من قمة أبوظبي للبنية التحتية "أديس 2026"، التي تستمر حتى يوم الخميس 14 مايو/ أيار الجاري في مركز أبوظبي الوطني للمعارض "أدنيك".
وتعقد القمة هذا العام تحت شعار "التطور الحضري: رؤية جديدة للمدن، ومفهوم جديد لحياتنا"، حيث تغطي أجندتها مختلف مراحل تطوير المدن، بدءاً من الرؤى الحكومية العليا، وصولاً إلى الأنظمة الفنية والتجارية الداعمة لتنفيذ المشاريع على نطاق واسع.
وتشمل الجلسات محاور متخصصة تتناول تنفيذ المشاريع، وابتكارات البناء، ومستقبل التنقل، والبنية التحتية الذكية، والبناء الدائري، وتمويل المشاريع، بما يعكس التحولات التي تعيد صياغة أساليب تخطيط المدن وتنفيذها واستدامتها للأجيال المقبلة.
يظهر الاقتصاد الدائري كأحد الحلول الحديثة لدعم وإطالة العمر التشغيلي للمواد والمباني والبنية التحتية. يقول هشام عيسى، خبير البيئة والمناخ، والمنسق المصري السابق لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) لـ"العين الإخبارية": "لقد صار دمج مبادئ الاقتصاد الدائري في دعم البنية التحتية للمنشآت أداة استراتيجية لتعزيز الكفاءة وتقليل التكاليف وزيادة القدرة التنافسية، ولم يعد مجرد خيار بيئي فقط".
دمج الاقتصاد الدائري
وهناك العديد من الأشكال لدمج الاقتصاد الدائري في البنية التحتية والإنشاءات، نذكر منها:
1- إعادة استخدام مواد البناء
بدلًا من التخلص منها، يمكن إعادة استخدام مواد البناء من المباني القديمة، وتلك من أبرز صور تطبيقات الاقتصاد الدائري، وبالفعل هناك العديد من المكونات التي يمكن الاستفادة منها، على سبيل المثال، الحديد والصلب والأخشاب والأبواب القديمة والطوب والزجاج وغيرهم من المواد التي من السهل إعادة توظيفها في مشروعات أخرى؛ فذلك يُقلل استهلاك المواد الخام من جهة، ومن جهة أخرى يُخفض تكاليف البناء. وبذلك، يتحول نموذج الاقتصاد في البيئة العمرانية من نموذج خطي تقليدي يبدأ من الاستهلاك والتصنيع وينتهي في التخلص من المواد، إلى نموذج دائري يقضي على النفايات ويحافظ على المواد القابلة لإعادة الاستخدام ويصبح نموذجا ترميميا مغلق الحلقة. وهذا النموذج من شأنه أن يُسهم في خفض انبعاثات القطاع بنسبة تصل إلى 75% بحلول العام 2050.
ويُضيف هشام عيسى، موضحًا أهمية "اعتماد مفاهيم مثل التصميم القابل لإعادة الاستخدام والتفكيك (Design for Disassembly)، بما يسمح بإعادة توظيف مكونات المباني بدلًا من التخلص منها، والذي بدوره يُقلل استهلاك المواد الخام".
2- إعادة تدوير مخلفات البناء
تُشير التقديرات إلى أنه على الصعيد العالمي، يُنتج قطاع البناء والهدم ما يزيد عن 2 مليار طن من النفايات سنويًا، وهذا يُمثل ما يُقارب 30 إلى 40% من إجمالي النفايات الصلبة العالمية، ويرجع ذلك بصورة رئيسية إلى التوسع الحضري السريع وأنشطة البناء. لكن، يمكن الاستفادة من تلك المواد وتحويلها إلى صور قابلة للاستخدام، على سبيل المثال، تكسير الخرسانة وتحويلها إلى ركام يُستخدم في الطرق، إضافة إلى إعادة تدوير الأسفلت في مشروعات الرصف وإعادة صهر المعادن وتوظيفها في الصناعات الإنشائية.
ويشرح عيسى لـ"العين الإخبارية"، موضحًا أنّ هناك حاجة ماسة إلى "إدارة الموارد بكفاءة من خلال تطبيق نظم متقدمة لإعادة تدوير المياه (مثل إعادة استخدام المياه الرمادية) والمواد، واستخدام مواد بناء مستدامة أو معاد تدويرها. هذا يحد من الهدر ويخفض الضغط على الموارد الطبيعية. بالإضافة إلى إدارة المخلفات كموارد عبر تحويل النفايات الناتجة عن التشغيل أو البناء إلى مدخلات إنتاجية (مثل استخدام مخلفات البناء في مشاريع أخرى)، وهو جوهر الاقتصاد الدائري".
من جانبها تشرح الدكتورة إيمان عبدالعظيم، عضو مجلس البيئة الحضرية التابعة للجنة التخطيط العلمي والتقني للجمعية الأمريكية للأرصاد الجوية لـ"العين الإخبارية" عملية إعادة استخدام مواد البناء، قائلة: "يمكن إعادة استخدام مواد البناء بصورة فعّالة وآمنة من خلال فرزها ثم تقييمها هندسيًا. بعد ذلك، تأتي مرحلة المعالجة وإعادة تأهيلها وفقًا للمعايير الفنية والبيئية، ثم توجيهها إلى الاستخدامات المناسبة حسب خصائصها الإنشائية".
وتُضيف عبد العظيم أنّ "ذلك النهج من شأنه أن يُسهم في تقليل استنزاف الموارد الطبيعية وخفض الانبعاثات الدفيئة والمخلفات، وبالتالي دعم البنية التحتية وجعلها أكثر كفاءة واستدامة".
3- إطالة العمر التشغيلي
يمكن من خلال الصيانة الدورية الذكية والترميم وإعادة التأهيل أن تظل المباني قائمة لفترات أطول بدلًا من إزالتها، هذا من شأنه أن يُقلل الحاجة إلى بناء منشآت جديدة واستهلاك المزيد من الموارد والمواد الخام. كما أنّ التصميم الذكي المستدام يُساهم بصورة كبيرة في دعم استدامة المباني من خلال استبدال المكونات التالفة بأخرى حديثة، وعند تفكيك أجزاء المبنى إعادة بنائه في المستقبل.
4- استخدام مواد صديقة للبيئة
هناك العديد من الأشكال للمواد الصديقة للبيئة، من ضمنها الخرسانة الخضراء منخفضة الانبعاثات والمواد المُعاد تدويرها بصورة عامة مثل الحديد والصلب والزجاج والبلاستيك والأخشاب والطوب الصديق للبيئة، كل تلك المواد تُعد من المواد الصديقة للبيئة التي تُدعم مبادئ الاقتصاد الدائري في قطاع البنية التحتية والإنشاءات.
5- التحوّل الرقمي
تلعب التكنولوجيا الصديقة للبيئة دورًا أساسيًا في تطبيق مبادئ ومفاهيم الاقتصاد الدائري في مجال الإنشاءات والبنية التحتية، من خلال عدة صور، مثل: نمذجة معلومات البناء (BIM) وتحليل دورة حياة المباني ودعم الذكاء الاصطناعي في إدارة الموارد وصيانتها. ويُعد تطبيق تلك المبادئ من أهم وسائل تحسين كفاءة التشغيل وتقليل الهدر.
6- كفاءة استخدام الطاقة والمياه
وبالطبع لا تستغنى المباني عن المياه والطاقة، لكن مع كثرة الاستهلاك، تصبح أساليب تعزيز كفاءة استخدام الطاقة وأنظمة المياه هي الحل الأكثر فعّالية لدعم الاقتصاد الدائري، ويمكن ذلك من خلال دعم أنظمة إعادة استخدام المياه، وتصميم مبانٍ موفرة للطاقة، والاعتماد على الطاقة المتجددة، بالإضافة إلى استخدام تقنيات ذكية للتحكم في الاستهلاك.
تتجلى الحاجة يومًا بعد يوم لاتباع النُهج الصديقة للبيئة؛ لدعم صحة بيئتنا والحفاظ على الموارد لأطول فترة ممكنة؛ لتستفيد منها الأجيال القادمة. ويُعد نموذج الاقتصاد الدائري هو الأمثل في تلك الحالة.