تجنيد المدنيين ببوركينا فاسو.. «قوة شعبية» بمواجهة الإرهاب
بوركينا فاسو ترفع مستوى تأهبها في معركتها مع الإرهاب، وتتجه لتجنيد 100 ألف مدني في الجيش احتياطيا.
ومؤخرا، أعلن وزير الحرب في بوركينا فاسو أن واغادوغو ستجند 100 ألف مدني بحلول نهاية عام 2026، لتعزيز قواتها الاحتياطية، ودعم الجيش في حربه ضد الجماعات الإرهابية.
وأكد الوزير أيضاً أنه سيتم تدريب "جميع المواطنين في سِن القتال"، و"استدعائهم عند الحاجة".
ويعتبر خبراء سياسيون، في قراءات منفصلة لـ"العين الإخبارية"، أن الإعلان يعكس تحولا استراتيجيا عميقا في مقاربة الدولة لمواجهة التهديدات الإرهابية المتصاعدة، في وقت تشهد فيه منطقة الساحل الأفريقي تحولات أمنية وجيوسياسية معقدة.
وتأتي هذه الخطوة في إطار سعي السلطات إلى تعزيز قدراتها الدفاعية عبر إشراك المجتمع بشكل أوسع في معركة تعتبرها “وجودية” للحفاظ على استقرار الدولة وسيادتها.
دلالات التوقيت
وفي قراءته للتطورات، يرى سياكا كوليبالي، الباحث السياسي البوركيني في مركز الدراسات الأمنية بغرب أفريقيا، أن توقيت إعلان تشكيل احتياطي عسكري بهذا الحجم يرتبط مباشرة بتصاعد وتيرة الهجمات المسلحة واتساع نطاقها الجغرافي داخل البلاد.
ويضيف كوليبالي، في حديثه لـ"العين الإخبارية"، أن التوقيت يرتبط أيضا بالتحولات الإقليمية التي أعادت رسم طبيعة التحالفات في منطقة الساحل.
ويوضح الباحث المتخصص في شؤون الجماعات المسلحة، أن "الدولة البوركينية وصلت إلى قناعة بأن النمط التقليدي لإدارة الحرب لم يعد كافيا، وأن المعركة تتطلب توسيع قاعدة المشاركة الشعبية بشكل منظم ومؤسسي".
ويشير إلى أن هذه الخطوة تأتي في سياق تراجع الاعتماد على الشركاء الدوليين، مقابل تعزيز مفهوم “السيادة الأمنية”، وهو ما يدفع الحكومات إلى الاستثمار في الموارد البشرية الوطنية كخيار استراتيجي طويل الأمد.
تصاعد الإرهاب
كما رأى كوليبالي أن إنشاء احتياطي عسكري واسع "يعكس إدراكا متزايدا بأن الجماعات المتطرفة في الساحل لم تعد مجرد تهديد أمني محدود، بل تحولت إلى ظاهرة معقدة تستفيد من الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية".
بدوره، قال الباحث بكاري سامبا الباحث في معهد تمبكتو للسلام والدراسات الأمنية، وهو أيضا خبير في قضايا التطرف في الساحل، لـ"العين الإخبارية"، إن "الجماعات الإرهابية نجحت خلال السنوات الأخيرة في التغلغل داخل المجتمعات المحلية، مستفيدة من ضعف الدولة في بعض المناطق، وهو ما يجعل من إشراك السكان في منظومة الدفاع أمرا حاسما".
وأضاف سامبا أن وجود قوة احتياط مدربة وموزعة جغرافيا يمكن أن يساهم في تحسين سرعة الاستجابة للهجمات، وتعزيز جمع المعلومات الاستخباراتية محليا، وتقليص المساحات التي تتحرك فيها الجماعات المسلحة.
وبحسب الخبير، فإن "هذه الخطوة قد تحد من قدرة التنظيمات على استقطاب الشباب، عبر توفير بديل وطني منظم يمنحهم دورا في حماية مجتمعاتهم"، معتبراً أن المشروع يمثل خطوة “شجاعة وواقعية” في ظل تعقيدات المشهد الأمني.
وأكد الباحث السياسي أن "الدولة لم تعد تملك رفاهية الانتظار أو الاعتماد على حلول خارجية، بل باتت مضطرة لتعبئة كل طاقاتها الداخلية"، مشيرا إلى أن الاحتياطي العسكري "يعزز مفهوم الدولة القوية القادرة على الدفاع عن نفسها".
كما شدد على أن المشروع يمكن، إذا تم تنفيذه وفق إطار قانوني منضبط، أن يعزز الانضباط ويمنع الفوضى المسلحة، ويقوي العلاقة بين الجيش والمجتمع، ويرسخ الشعور بالانتماء الوطني.
أبعاد استراتيجية
كما رأى أن هذه الخطوة لا تقتصر على بعدها الأمني فقط، بل تحمل أبعادا سياسية واستراتيجية أوسع، إذ تعكس توجها نحو إعادة بناء الدولة على أساس تعبئة وطنية شاملة.
وتعتزم بوركينا فاسو إنشاء احتياطي عسكري يضم 100 ألف رجل، في ظل سياق أمني معقد يتسم باستمرار التهديدات الإرهابية.
وترى الحكومة أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تعبئة شاملة لكافة قوى الأمة، بهدف تعزيز القدرات العملياتية لقوات الدفاع.
وسبق أن صادق مجلس الوزراء على مشروع قانون لإنشاء احتياطي عسكري وطني، يتضمن تجنيد أكثر من 100 ألف عنصر بحلول نهاية عام 2026، في ظل استمرار الهجمات الإرهابية والتحولات الجيوسياسية في المنطقة، بحسب وكالة "إيكوفين" الأفريقية في نسختها الفرنسية.
وينص المشروع على إطار قانوني يتكون من شقين: الأول يضم عسكريين سابقين يمكن تعبئتهم بشكل فوري، والثاني يتكون من مواطنين سيتم تدريبهم تدريجيا لتعزيز القدرات الدفاعية.
وأوضح وزير الدفاع، الجنرال سيلستين سيمبوري، أن "أهداف المشروع تشمل تعزيز القدرات العملياتية، وتشكيل قاعدة من الاحتياطيين الجاهزين، وتعزيز العلاقة بين الأمة والقوات المسلحة، وتكييف منظومة الدفاع مع التهديدات الأمنية، ودعم السيادة الوطنية عبر تعبئة الموارد الداخلية".
وتواصل بوركينا فاسو، العضو في تحالف دول الساحل، مواجهة هجمات تنفذها جماعات مسلحة متشددة ضد المدنيين.
ووفق تقارير دولية، سجلت البلاد 111 هجوما إرهابيا خلال عام 2024، كما تأثرت عدة مناطق بالنزاع المسلح مطلع 2026، ما أدى إلى تداعيات اقتصادية ونزوح داخلي.
وترى الحكومة أن مكافحة الإرهاب تتطلب تعبئة أكبر، حيث يأتي هذا الاحتياطي كآلية “مكملة ومنظمة ودائمة”، إلى جانب مبادرة “متطوعي الدفاع عن الوطن”.
كما يستهدف المشروع تدريب المواطنين القادرين على القتال أو المساهمة في إدارة الأزمات، بما يعزز جاهزية المجتمع لمواجهة التحديات الأمنية والإنسانية.