الأراضي الرطبة.. خط الدفاع الأول عن المناخ في مواجهة الانهيار البيئي (حوار)
ازداد معدل تدهور وتلاشي الأراضي الرطبة اليوم بمقدار 3 أضعاف مقارنة بالغابات، وهو معدل ينذر بالخطر، إذ تعد الأراضي الرطبة من أهم النظم البيئية، فهي تدعم عددا هائلا من الأنواع الحية.
وتؤدي الأراضي الرطبة دورا حيويا في الحفاظ على حياة البشر وصحتهم على سطح الأرض، ويسهم الحفاظ عليها واستعادتها في مكافحة تغير المناخ، لكنها في الوقت ذاته تتأثر بتفاقم هذا التغير، لا سيما مع الاحترار العالمي الذي يزيد من معدلات الجفاف، ما يضاعف الحاجة إلى دعمها وصونها.
وفي هذا الصدد، أجرت «العين الإخبارية» حوارا حصريا مع رئيس الاتصالات العالمي في منظمة «ويت لاندز إنترناشونال» (Wetlands International)، ريتشارد لي (Richard Lee).
وخلال الحوار، تحدث ريتشارد لي عن أبرز المخاطر التي تهدد الأراضي الرطبة، وأهمية الحفاظ عليها، ودورها المحوري في دعم النظام المناخي للأرض، والتحديات التي تواجه جهود الحماية والاستعادة، فضلا عن رسالته إلى صناع القرار.
كيف تساهم الأراضي الرطبة في التخفيف من آثار تغير المناخ؟
على الرغم من أن الأراضي الرطبة السليمة تعد من أهم عناصر حماية المناخ، بل وتمثل ركيزة محورية في مواجهة تغير المناخ، فإنها -من الأنهار والبحيرات والأراضي الخثية إلى أشجار المانغروف ومروج الأعشاب البحرية والمستنقعات المالحة- لا تزال تهمل ويستهان بها في سياق أزمة المناخ.
فإلى جانب مساهمتها الفاعلة في التخفيف من آثار التغيرات المناخية عبر تخزين كميات هائلة من الكربون وعزله، فإنها توفر كذلك الحماية لمجتمعاتنا ومدننا من الآثار المتفاقمة لتغير المناخ، والتي يرتبط معظمها بالمياه، كما تعزز قدرتها على الصمود على المدى الطويل.
فعلى سبيل المثال، يمكن للأراضي الخثية أن تخزن نحو ثلث الكربون الموجود في تربة العالم، بينما تخزن أشجار المانغروف كميات من الكربون لكل وحدة مساحة تفوق ما تخزنه الغابات المطيرة.
كما تلعب الأراضي الرطبة دورا أساسيا في دعم التكيف المناخي؛ فالأراضي الخثية تعمل كـ«إسفنج» طبيعي، إذ تمتص المياه الزائدة في المواسم الرطبة وتطلقها في الفترات الجافة، ما يخفف من آثار الجفاف. وفي الوقت ذاته، تقلل السهول الفيضية المتصلة من حدة الفيضانات عبر توزيع المياه، بينما تحمي أشجار المانغروف المجتمعات الساحلية من العواصف وارتفاع مستوى سطح البحر، وتغذي الأنهار الجارية طبيعيًا الرواسب الضرورية لاستدامة الدلتا وحمايتها.
ومع الأسف، فقد العالم أكثر من 22% من أراضيه الرطبة منذ عام 1970، وما زال يفقد موارده الثمينة من المياه العذبة والأراضي الرطبة الساحلية بمعدل ينذر بالخطر، ما يقوض الجهود العالمية لمواجهة تغير المناخ، وتعزيز الأمن المائي والغذائي، ووقف فقدان الطبيعة، وتحقيق التنمية المستدامة.
لذلك، هناك حاجة ملحّة إلى زيادة الاستثمار في حماية الأراضي الرطبة واستعادتها بصورة جذرية، وتسريع وتيرة هذا الاستثمار لتحقيق الأهداف الوطنية والعالمية المتعلقة بالطبيعة والمناخ والإنسان.
كيف يؤثر تغير المناخ على الأراضي الرطبة والكائنات الحية فيها؟
يمثل تغير المناخ تهديدا متزايدا للأراضي الرطبة حول العالم وللكائنات الحية التي تعيش فيها؛ فالاحترار العالمي يغير أنماط هطول الأمطار، ويؤثر في تدفق الأنهار، ويتسبب في ذوبان الأنهار الجليدية، ويرفع مستوى سطح البحر، ويزيد من معدلات التبخر ودرجات حرارة المياه، ما يشكل خطرًا متناميًا على صحة هذه النظم ووظائفها.
ويهدد ذلك العديد من الأنواع التي تعتمد على الأراضي الرطبة، خاصة أن كثيرًا منها تطور في نطاقات بيئية ضيقة، وسيواجه صعوبة في التكيف أو الانتقال مع ارتفاع درجات الحرارة وتفاقم التأثيرات المناخية.
كما أن استمرار تدهور الأراضي الرطبة وتدميرها سيقوض الخدمات الحيوية التي تقدمها للبشر، بما في ذلك الحماية من الفيضانات والعواصف وحرائق الغابات والجفاف.
كيف تعزز حماية الأراضي الرطبة الأمن الغذائي والمائي؟
تعزز الأراضي الرطبة السليمة الأمن المائي والغذائي في جميع أنحاء العالم، إذ توفر الأنهار والبحيرات والأراضي الخثية معظم احتياجات البشر من المياه العذبة. كما تسهم الأنهار في دعم نحو ثلث الإنتاج الغذائي العالمي من خلال الري، والزراعة في الدلتا، والزراعة خلال انحسار الفيضانات، إضافة إلى مصايد الأسماك في المياه العذبة.
ومع تزايد فقدان الأراضي الرطبة وتدهورها نتيجة الإفراط في استخدام المياه، وسوء تخطيط البنية التحتية، والتلوث، وتغير المناخ، تتفاقم مخاطر انعدام الأمن الغذائي والمائي.
ومن هنا، يصبح الحفاظ على الأراضي الرطبة القائمة أمرا ضروريا لضمان استدامة إمدادات المياه وتعزيز إنتاج الغذاء، بما في ذلك مصايد الأسماك العذبة والساحلية التي تُغذي مئات الملايين. غير أن الحفاظ وحده لم يعد كافيا؛ إذ يتعين الاستثمار أيضا في استعادة الأراضي الرطبة المتدهورة، وترميم الأنهار والبحيرات وأشجار المانغروف وغيرها لإعادة بناء قدرتها على الصمود.
وأؤكد حقيقة أساسية وهي: «الماء لا يأتي من الصنبور، بل من الطبيعة»، لذا من الضرورة الاستثمار في البنية التحتية للمياه، وفي الوقت ذاته في صحة النظم البيئية التي تخزن المياه وتزودنا بها.
ما دور المعاهدات الدولية مثل اتفاقية رامسار؟
أُنشئت اتفاقية الأراضي الرطبة في مدينة رامسار الإيرانية عام 1971، وتُعد أقدم اتفاقية عالمية للتنوع البيولوجي. ورغم تعرضها أحيانًا للتجاهل، فإنها لعبت دورًا محوريًا في رفع الوعي بأهمية الأراضي الرطبة وحمايتها.
وتضم الاتفاقية أكثر من 170 دولة طرفًا، وأسهمت في إدراج أكثر من 2500 موقع كأراضٍ رطبة ذات أهمية دولية. كما شهدت الدورة الخامسة عشرة لمؤتمر الأطراف (COP15) في زيمبابوي عام 2025 اعتماد خطة استراتيجية طموحة لتسريع الاستثمار في صون الأراضي الرطبة وترميمها وتعزيز استخدامها الرشيد.
إلى جانب ذلك، يضع إطار كونمينغ-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي أهدافًا طموحة، من بينها حماية 30% من الأراضي الرطبة العذبة والساحلية وترميم 30% من المتدهور منها.
كيف يمكن تعزيز التعاون الدولي؟
الخطوة الأولى تتمثل في رفع الوعي بالدور المحوري للأراضي الرطبة في تحقيق الأمن المائي والغذائي وحماية المناخ والطبيعة، ما يبرز أهمية التعاون بين الدول النامية والمتقدمة.
كما أن كثيرًا من الأراضي الرطبة، خصوصًا الأنهار، عابرة للحدود، ما يستلزم تنسيقًا مشتركًا بين الدول المعنية. ويؤكد أن الاستثمار في حماية الأراضي الرطبة وترميمها يُعد استثمارًا عالي العائد للمجتمعات والاقتصادات والنظم البيئية.
كيف يمكن رفع الوعي المجتمعي؟
تدرك المجتمعات المحلية المعتمدة على الأراضي الرطبة أهميتها، لكن الوعي العام عالميًا لا يزال محدودًا. لذلك تعمل منظمة «ويت لاندز إنترناشونال» مع المجتمعات المحلية لتطوير حلول فعالة، وتسهم مبادرات عالمية مثل «تحدي المياه العذبة» و«مبادرة اختراق غابات المانغروف» و«مبادرة اختراق الأراضي الخثية» في تحفيز العمل المشترك، إذ يضم «تحدي المياه العذبة» حاليًا نحو 54 دولة إضافة إلى الاتحاد الأوروبي.
ما هي رسالتك إلى صناع القرار؟
الأراضي الرطبة السليمة هي أساس الحياة؛ فهي ركيزة مجتمعاتنا واقتصاداتنا، ومحورية في مواجهة أعظم تحديات عصرنا، من تعزيز الأمن والسلام، إلى ضمان الأمن المائي والغذائي، واستعادة التنوع البيولوجي، والتخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه، ودفع التنمية المستدامة.
لذلك، من الضروري أن يزيد صناع القرار الاستثمار العاجل في حماية الأراضي الرطبة واستعادتها، بما يعود بالنفع على الإنسان والمناخ والطبيعة».