هل تؤثر تنبؤات الحاسوب بالنتائج على أداء اللاعبين في كأس العالم؟ (خاص)
قبل كل بطولة كأس عالم، تتسابق شركات التحليل الرياضي وخوارزميات الذكاء الاصطناعي لإعلان توقعاتها بشأن المنتخبات المرشحة للفوز باللقب.
وبينما تتحول هذه التوقعات إلى عناوين رئيسية تتداولها وسائل الإعلام والجماهير، يبقى السؤال الذي يشغل علماء النفس الرياضي هو: هل يمكن لهذه التنبؤات أن تؤثر فعلاً في أداء اللاعبين؟

يرى باحثون أن الأمر ليس مستبعدا. ففي دراسة نُشرت عام 2016 في دورية" ذا جورنال أوف سوشال سايكولوجي" ، أجرى الباحثون جيسون ويفر وزملاؤه تجربة على لاعبي كرة السلة، حيث أظهرت النتائج أن اللاعبين الذين حظوا بتوقعات إيجابية قبل المباراة حققوا أداءً أفضل بالفعل، بينما تراجع أداء اللاعبين الذين تعرضوا لتوقعات سلبية، فيما عُرف بظاهرة "النبوءة التي تحقق ذاتها".
هذه الظاهرة تكتسب أهمية خاصة في كرة القدم، حيث لا تعتمد النتائج على المهارات الفنية فقط، بل على الحالة النفسية أيضا. فإذا أعلنت خوارزمية شهيرة أن منتحبا ما لا يملك سوى فرصة ضئيلة للفوز، فقد تنتقل هذه الرسالة إلى اللاعبين عبر التغطيات الإعلامية والجماهير، ما قد يؤثر في ثقتهم بأنفسهم قبل المباراة.
تأثيرات الضغط النفسي
ويقول د.محمد عبد الرازق استاذ علم النفس الرياضي في تصريحات لـ "العين الإخبارية"، إن الضغط النفسي الناتج عن التوقعات قد يكون عاملا حاسما.
ويشير إلى دراسة نُشرت عام 2024 في دورية "جورنال أوف إكونوميك سايكولوجي" ، حيث حلل باحثون أكثر من 86 ألف مشاركة لرياضيين ورياضيات في مسابقات التزلج العالمية والأولمبية. ووجدت الدراسة أن الرياضيين الذين دخلوا المنافسات وسط توقعات مرتفعة كانوا أكثر عرضة لتأثيرات الضغط النفسي المرتبطة بالأداء، وهو ما يعرف في الأدبيات الرياضية بظاهرة "الاختناق تحت الضغط".
ولم تعد هذه الظاهرة مجرد مفهوم نظري. ففي عام 2024 نشرت دورية "سايكولوجي أوف سبورت آند إكسرسايز" بقيادة الباحث الأسترالي كريستوفر ميساغنو، دراسة شملت 165 رياضيا من مستويات مختلفة. وأظهرت النتائج أن التعرض لمواقف الفشل تحت الضغط يمكن أن يترك آثارا نفسية وسلوكية طويلة الأمد، بما في ذلك انخفاض الاستمتاع بالرياضة وتراجع الثقة بالنفس، وهو ما يبرز مدى حساسية الرياضيين للضغوط والتوقعات المحيطة بهم.
أما في كرة القدم تحديدا، فقد قدمت دراسة نُشرت عام 2024 في دورية "سوشال ساينس كوارتِرلي " دليلا إضافيا على تأثير الضغط النفسي. فبعد تحليل آلاف ركلات الجزاء، وجد الباحث ريكاردو سانتوس أن الضغوط النفسية المصاحبة للحظات الحاسمة تؤثر بصورة ملموسة في الأداء، حتى لدى اللاعبين المحترفين الذين يمتلكون أعلى مستويات المهارة.

الصورة ليست سوداء بالكامل
لكن الصورة ليست سوداء بالكامل، كما يوضح د.عبد الرازق، ويشير إلى أن مراجعة علمية موسعة نُشرت أواخر عام 2024 في دورية "سبورتس كوتشينغ ريفيو"، واستندت إلى 29 دراسة شملت أكثر من 500 رياضي ومدرب، أظهرت أن بعض الرياضيين يتعاملون مع الضغط بصورة معاكسة تمامًا. فبدلًا من الانهيار، يحولون التوقعات المرتفعة إلى مصدر للحافز، مستفيدين من الثقة بالنفس والصلابة الذهنية والروتين النفسي المنظم للحفاظ على الأداء في اللحظات الحاسمة.
وتعزز هذه الفكرة دراسة أخرى نُشرت في دورية " فرونتيرز إن سايكولوجي" عام 2024، والتي خلصت إلى أن "الصلابة الذهنية" تعد أحد أهم العوامل التي تحمي الرياضيين من التأثر السلبي بالضغوط والتوقعات الخارجية، بما فيها التوقعات الإعلامية والجماهيرية.
ويخلص د.عبد الرازق من هذا الاستعراض للدراسات إلى أن التوقعات المسبقة قادرة على التأثير في الثقة بالنفس، ومستويات القلق، وطريقة اتخاذ القرار أثناء المنافسة، لكنها من ناحية أخرى قد تحفز آخرين على التحدي.