لا تهدد اللاعبين فقط.. هل تغير موجات الحر مستقبل كأس العالم؟ (خاص)
لم يعد الحديث عن موجات الحر في كأس العالم مجرد نقاش جانبي يتعلق براحة الجماهير أو أداء اللاعبين، فقد أصبحت قضية علمية وصحية تفرض نفسها على مستقبل أكبر بطولة رياضية على وجه الأرض.
بعد أن اضطرت بطولة كأس العالم 2022 في قطر إلى مغادرة موعدها الصيفي المعتاد لأول مرة في التاريخ بسبب المخاوف من الحرارة الشديدة، يحذر علماء المناخ والطب الرياضي اليوم من أن المشكلة لم تعد استثنائية، بل قد تصبح سمة دائمة للبطولات المقبلة في عالم يزداد سخونة عاماً بعد آخر.
وتشير دراسات حديثة إلى أن عدداً كبيراً من مباريات كأس العالم 2026، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، قد يقام في ظروف حرارية تقترب من الحدود التي تشكل خطراً على صحة اللاعبين والجماهير.

الحرارة لا تُقاس بالترمومتر فقط
وعندما يتحدث العلماء عن خطورة الطقس على الرياضيين فإنهم لا يعتمدون فقط على درجة حرارة الهواء.
فالأهم هو ما يعرف بـ"درجة حرارة البصيلة الرطبة الكروية" (WBGT)، وهو مؤشر يجمع بين الحرارة والرطوبة وسرعة الرياح والإشعاع الشمسي لقياس العبء الحراري الحقيقي على جسم الإنسان.
وتعد هذه القيمة من أهم المؤشرات المستخدمة عالمياً لتقييم مخاطر الإجهاد الحراري أثناء الأنشطة الرياضية.
14 مدينة مستضيفة في منطقة الخطر
وفي دراسة نشرت عام 2025 في مجلة " إنترناشونال جورنال أوف بايوميتيورولوجي"، قام الباحثون بتحليل بيانات الطقس الخاصة بالمدن الست عشرة المستضيفة لكأس العالم 2026.
وأظهرت النتائج أن 14 مدينة من أصل 16 تتجاوز في بعض الأوقات عتبة 28 درجة مئوية على مقياس WBGT، وهي العتبة التي توصي عندها بعض الهيئات الرياضية بتأجيل المباريات أو تعديل مواعيدها.
كما وجدت الدراسة أن مدناً مثل ميامي ومونتيري وفيلادلفيا وكانساس سيتي ونيويورك وبوسطن قد تواجه مستويات مرتفعة من المخاطر الحرارية خلال ساعات بعد الظهر.
وخلص الباحثون إلى أن إقامة المباريات خلال ساعات المساء قد تصبح ضرورة صحية وليست مجرد خيار تنظيمي.

ماذا يحدث داخل جسم اللاعب؟
ويقول د.خالد أبو السعود، استشاري الغدد الصماء بوزارة الصحة المصرية لـ "العين الإخبارية"، إن " المشكلة لا تتعلق بالشعور بالحر فقط، فعندما ترتفع الحرارة والرطوبة يفقد الجسم قدرته الطبيعية على التخلص من الحرارة الداخلية عبر التعرق".
ويضيف أنه " مع استمرار الجهد البدني ترتفع درجة حرارة الجسم الأساسية تدريجياً، ما قد يؤدي إلى الجفاف والإجهاد الحراري والتشنجات العضلية، وفي الحالات الشديدة إلى ضربة شمس قد تهدد الحياة، كما تؤثر الحرارة على القدرات الذهنية للاعبين، فتتراجع سرعة اتخاذ القرار والتركيز والدقة الفنية، وهي عوامل قد تحسم نتائج المباريات الكبرى".
10 ملاعب معرضة لإجهاد حراري شديد
وفي دراسة أخرى نشرت عام 2024 في مجلة "ساينتفيك ريبورتيز" التابعة لمجموعة "نيتشر"، قام الباحثون بتقييم مخاطر الإجهاد الحراري في جميع ملاعب كأس العالم 2026.
وكشفت النتائج أن 10 من أصل 16 ملعباً تقع ضمن نطاق "المخاطر الحرارية المرتفعة جداً"، وأن أعلى مستويات الخطر تتركز في ملاعب أرلينغتون وهيوستن بالولايات المتحدة ومونتيري بالمكسيك. كما قدر الباحثون أن اللاعبين قد يفقدون أكثر من 1.5 كيلوغرام من الماء في الساعة الواحدة خلال بعض فترات النهار الحارة.
وحذرت الدراسة من أن بعض الظروف المناخية قد تتجاوز قدرة الجسم البشري على التخلص من الحرارة الناتجة عن المجهود البدني.
الخطر لا يهدد اللاعبين فقط
وإذا كان اللاعبون يتمتعون بلياقة بدنية عالية ويخضعون لمراقبة طبية مستمرة، فإن الجماهير تكون أكثر عرضة للخطر.
وحذر علماء المناخ في مايو 2026 من أن نحو ربع مباريات البطولة قد يقام في ظروف حرارية خطرة على اللاعبين والمشجعين على حد سواء، داعين إلى توفير محطات مياه مجانية ومناطق تبريد وإجراءات حماية إضافية.
ويشير الخبراء إلى أن كبار السن والأطفال والأشخاص المصابين بأمراض القلب أو الجهاز التنفسي قد يكونون الأكثر تأثراً بموجات الحر أثناء حضور المباريات أو الفعاليات الجماهيرية الخارجية.

هل يتغير شكل كأس العالم مستقبلاً؟
يرى الباحثون أن التغير المناخي قد يفرض إعادة التفكير في الطريقة التي تنظم بها البطولات العالمية.
فإذا استمرت درجات الحرارة العالمية في الارتفاع، قد يصبح من الضروري نقل المباريات إلى ساعات الليل، زيادة فترات التوقف لشرب المياه، اختيار مدن أقل تعرضاً لموجات الحر، توسيع استخدام الملاعب المغطاة والمكيفة، وإعادة النظر في مواعيد إقامة البطولات نفسها.
وتشير التوقعات المناخية إلى أن موجات الحر أصبحت أكثر تواتراً وشدة مقارنة بما كانت عليه قبل عقود، وهو اتجاه مرشح للاستمرار خلال العقود المقبلة.