حرب الخطابات تستعر.. هل حان وقت شعار «أوروبا أولا»؟
السياسة الدولية تدخل مرحلة جديدة تتسم بالمواجهة الحادة والخطاب العدائي، في أسلوب لم يعد استثناءً بل أصبح قاعدة قد تستمر.
وبحسب موقع "بوليتيكو" الأمريكي، يعيش العالم اليوم حالة من الاضطراب وعدم اليقين، نتيجة الصدمات المتتالية والصراعات الكبرى، وهو ما جعل القادة السياسيين ودبلوماسييهم أكثر توترًا وحدة في خطابهم.
وأسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تغذية هذا التحول، فلم يعد الخطاب الهادئ والمتزن يحظى بالاهتمام، بينما تنتشر التصريحات الاستفزازية والمهينة بسرعة وتحقق صدى واسعًا.
وأشار الموقع إلى ما جرى في منتدى دافوس الاقتصادي الأخير، حيث نال خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الذي دعا فيه "القوى المتوسطة" إلى التعاون كي لا تكون ضحية صراع القوى الكبرى، إعجاب الحضور وتصفيقهم.
ومع ذلك، فإن الخطاب الذي هيمن على وسائل التواصل كان خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي تميز بالحدة والانتقادات الشخصية لعدد من القادة مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
ويتماشى هذا الأسلوب مع صعود الشعبوية في العالم، حيث أصبح الخطاب العدائي المباشر علامة على "القيادة القوية" في نظر الكثيرين.
ويعتبر ترامب نموذجًا واضحًا لهذا العصر، بل يمكن اعتباره "رجل المرحلة" وهو ما يتعين على أوروبا إدراكه بدلا من الاكتفاء بالشكوى، بحسب "بوليتيكو".
ولا يقتصر هذا الأسلوب على الولايات المتحدة، فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين معروف باستخدامه لغة فظة ومهينة ضد القادة الأوروبيين والأوكرانيين؛ إذ سبق أن وصف القادة الأوروبيين بـ"الخنازير الصغيرة".
من جانبها، تبنت الصين منذ عام 2019 خطابًا دبلوماسيًا أكثر عدوانية، بعدما دعا وزير خارجيتها وانغ يي الدبلوماسيين إلى إظهار "روح قتالية" في مواجهة ما اعتبره تنمرًا غربيًا، وهو ما أدى إلى ظهور ما عُرف بدبلوماسية "محاربي الذئاب".
وعلى سبيل المثال، قدم وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت نصيحة للأوروبيين بشأن تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية على خلفية أزمة غرينلاند، حيث قال لهم باستخفاف "اجلسوا، خذوا نفسًا عميقًا، ولا تردوا".
"حب قاس"
وفقا لـ"بوليتيكو"، فالمفارقة الأساسية تكمن في أن روسيا والصين توجهان خطابهما العدائي أساسًا نحو خصومهما، بينما يوجه ترامب وكبار مساعديه الجزء الأكبر من هجماتهم اللفظية نحو حلفاء واشنطن التقليديين، وفي مقدمتهم أوروبا، مع إضافة كندا أحيانًا.
وأصبحت هذه الهجمات أكثر شراسة مقارنة بولاية ترامب الأولى، إذ لم يعد هناك داخل البيت الأبيض من يخفف حدتها أو يتراجع عنها.
وبلغ هذا التوجه ذروته في دافوس، حيث بدا أن السخرية من الأوروبيين والاستخفاف بهم كانت حاضرة في معظم تصريحات الوفد الأمريكي.
وأثار وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك غضب القادة الأوروبيين بتصريحات حادة خلال عشاء خاص، مما دفع رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إلى مغادرة القاعة مبكرًا.
وبحسب الحضور، لم تكن المشكلة في مضمون بعض الانتقادات، التي يشارك الأوروبيون أنفسهم في بعضها، بل في النبرة المتعالية والمحتقرة.
"أوروبا أولًا"
في المقابل، حاول نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس تبرير هذا الأسلوب فوصفه بأنه "حب قاس"، مؤكدًا أن واشنطن لا تكره أوروبا بل "تحبها" وتريد الحفاظ على "الحضارة الأوروبية" لكن هذا الخطاب يعد خطابًا أبويًا متعاليًا يزيد من الاستياء بدلا من تهدئته.
من جهة أخرى يخدم الهجوم على أوروبا الداخل الأمريكي، حيث يلقى صدى إيجابيًا لدى أنصار حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا" أو "ماغا" الذين يرون الأوروبيين "متغطرسين، ناكري جميل، ومتطفلين يعتمدون على الولايات المتحدة"، لذا فإن شكاوى قادة أوروبا لا تؤدي إلا إلى المزيد من التصعيد.
وفي هذا الإطار، قدم الرئيس الأوكراني زيلينسكي ملاحظة مهمة، مفادها أن القادة الأوروبيين لن ينجحوا في تغيير ترامب، وأن الأجدى هو التركيز على أنفسهم.
بمعنى آخر فإن زمن التذمر من شعار "أمريكا أولًا" قد انتهى، وعلى القارة العجوز أن تبدأ بتبني مبدأ "أوروبا أولًا"، عبر تعزيز وحدتها، والدفاع عن مصالحها، والتكيف مع واقع سياسي دولي باتت فيه المواجهة والصلابة جزءًا لا يتجزأ من اللعبة.