طفرة قادمة في النحاس.. أسواق عالمية متعطشة للطاقة والتكنولوجيا
يشهد سوق النحاس إقبالاً غير مسبوق خلال الفترة الأخيرة فقد ارتفعت الأسعار إلى مستويات قياسية على خلفية توقعات قوية بأن العالم مقبل على طفرة حقيقية في الطلب على النحاس خلال السنوات القادمة.
وفقاً لتحليل نشرته مجلة "فورين بوليسي"، فإن هذا التدفق الحاد في الطلب لا يبدو حدثًا عابرًا، بل يعكس تغيرًا هيكليًا في الأسواق العالمية يتجاوز التقلبات الموسمية المعتادة.
ويرتبط هذا الزخم بشكل وثيق مع التوسع في التكنولوجيا الحديثة والبنية التحتية للطاقة. ففي العقود الماضية، كان النحاس يُستخدم بشكل أساسي في الأسلاك الكهربائية، والأنابيب، والمعدات الصناعية، لكنه أصبح اليوم عنصرًا لا غنى عنه في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات الضخمة، والطاقة المتجددة، والسيارات الكهربائية. وكل هذه القطاعات تحتاج كميات كبيرة من النحاس، ما يرفع الطلب الهيكلي على المعدن.
زيادة في الطلب
كما يتوقع المستثمرون أن يشهد الطلب العالمي على النحاس زيادة كبيرة خلال العقد المقبل، إذ يُنظر إليه كمعدن استراتيجي يدفع عجلة الاقتصاد الحديث. هذا التوقع يتغذى من دور النحاس في مشروعات الطاقة النظيفة وتحديث شبكات الكهرباء، خاصة في ظل الجهود المتواصلة في دول عدة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.
وتشير تحركات السوق أيضًا إلى أن المستثمرين بدأوا ينقلون جزءًا من رؤوس الأموال من القطاعات الدفاعية أو ذات العوائد الثابتة إلى المعادن الأساسية، خصوصًا النحاس. وهذه الاستثمارات تعكس ثقة أكبر في استمرار دورة الطلب الصناعي على المعدن خلال السنوات المقبلة، كما أنها تدعم توقعات بأن أسهم شركات التعدين ستظل جاذبة للمدى الطويل، بفضل قدرتها على الاستفادة من كل موجة ارتفاع في الأسعار والتوسع في المشاريع الجديدة.
ترقب للإمدادات
من جانب آخر، كشف تقرير لوكالة بلومبرغ، أن أسهم شركات تعدين النحاس بدأت في تحقيق مكاسب متقدمة مقارنة بالسوق الأوسع، وهو ما يعكس قناعة متزايدة بأن المعروض العالمي سيواجه ضغوطًا مستمرة. هذه التحركات السعرية لا تُفسَّر فقط بالارتفاع الفوري في الأسعار، بل بالتوقعات المستقبلية بعجز محتمل في الإمدادات نتيجة بطء تطوير المناجم الجديدة، ارتفاع تكاليف الاستخراج، وزيادة القيود البيئية التي تحد من القدرة على زيادة الإنتاج بسرعة.
فمن جهة العرض، يعاني قطاع التعدين من تحديات إنتاجية متصاعدة. فالمناجم الجديدة تحتاج إلى سنوات طويلة قبل أن تدخل الإنتاج، كما أن بعض المناجم الكبيرة تواجه صعوبات تشغيلية وتأخيرات في الاستخراج. وهذا الاختلال بين صعود الطلب ومحدودية العرض يعزز من ضغوط الأسعار ويحفز المضاربة في السوق.
وفي الوقت نفسه، ترسل أسهم القطاعات التكنولوجية إشارة غير مباشرة داعمة لسيناريو طفرة النحاس. فالتوسع الكبير في مراكز البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي يتطلب استثمارات ضخمة في الشبكات الكهربائية وأنظمة التبريد، وهي مجالات تعتمد بشكل مكثف على النحاس. لذلك يرى المستثمرون أن نمو التكنولوجيا الثقيلة يعزز الطلب الهيكلي على المعدن، وهو ما يجعل النحاس أكثر من مجرد سلعة صناعية تقليدية، بل عنصرًا استراتيجيًا في الاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة.
المصدرون الأهم
وتستفيد دول أمريكا اللاتينية الكبرى المصدِّرة للنحاس مثل تشيلي وبيرو والبرازيل والمكسيك من هذا الارتفاع، لأن النحاس يمثل أحد أهم صادراتها ويعزز النمو الاقتصادي لديها. على سبيل المثال، كانت تشيلي أكبر مصدر للنحاس الخام في العالم، تليها بيرو، في حين البرازيل والمكسيك أيضًا ضمن كبار المصدرين.
لكن هناك تحديات للاستفادة الكاملة من هذا الارتفاع: في تشيلي، رغم التوقعات بزيادة الإنتاج، لا يزال هناك اختلاف حول مدى هذه الزيادة؛ وفي بيرو تواجه الاستثمارات صعوبات بسبب الاختلالات التنظيمية والاحتجاجات المحلية. أما في المكسيك، فالحوافز لجذب مصانع تصنيع النحاس غير واضحة حتى الآن وسط عدم اليقين بشأن تفاصيل التعريفات الجمركية الأمريكية واتفاقيات التجارة.