سباق المعادن الحيوية يدفع أوروبا للمغامرة بأمنها المائي
تواجه أوروبا معضلة متصاعدة بين تأمين احتياجاتها من المعادن الحيوية والحفاظ على مواردها المائية.
يأتي هذا في ظل خطط جديدة قد تعيد رسم ملامح السياسة البيئية في القارة.
وكشف تقرير لصحيفة "الغارديان" البريطانية إن المفوضية الأوروبية تعتزم تعديل أحد أهم قوانين حماية المياه لتسهيل إنشاء مشروعات تعدين في مناطق تعاني بالفعل من شح مائي متزايد، وهو ما أثار موجة واسعة من القلق بين الخبراء البيئيين والمنظمات المعنية.
وتأتي هذه التحركات في وقت يتزايد فيه الطلب العالمي على المعادن الحيوية بشكل غير مسبوق، مدفوعًا بالتوسع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، والسيارات الكهربائية، والطاقة المتجددة. وتشير التقديرات إلى أن الطلب على هذه المعادن قد تضاعف 3 مرات منذ عام 2010، مع توقعات بارتفاعه مجددًا خلال السنوات المقبلة، خاصة بالنسبة لعناصر مثل الليثيوم والجرافيت والكوبالت.
صناعة مستهلكة للمياه
وبحسب التقرير، فإن تحليلات حديثة تكشف أن أكثر من نصف مشاريع التعدين الجديدة أو المخطط لها في أوروبا تقع في مناطق شهدت تراجعًا في الموارد المائية خلال العقدين الماضيين. كما أن نحو نصف هذه المشاريع يقع في مناطق تعرضت لموجات جفاف خلال الأشهر الأخيرة، فيما يوجد ربعها في مناطق مصنفة على أنها تعاني من إجهاد مائي حاد.
وتبرز دول مثل إسبانيا والبرتغال واليونان في صدارة المناطق الأكثر تأثرًا، حيث تعاني بالفعل من مستويات مرتفعة من ندرة المياه. ففي إسبانيا، على سبيل المثال، أعلنت بعض الأقاليم حالة الطوارئ بسبب الجفاف في السنوات الأخيرة، بينما شهدت البرتغال ظروف جفاف قاسية طالت معظم أراضيها.
مشروعات استراتيجية
وفي هذا السياق، منحت المفوضية الأوروبية صفة “مشروعات استراتيجية” لعشرات المشروعات التعدينية، ما يمنحها أولوية في إجراءات الترخيص والدعم، بهدف تقليل اعتماد الاتحاد الأوروبي على الواردات الخارجية من المعادن. إلا أن هذه الخطوة قوبلت بانتقادات حادة، حيث يرى معارضون أنها قد تفتح الباب أمام تقويض معايير حماية البيئة.
وتسعى المفوضية كذلك إلى مراجعة “توجيه إطار المياه”، وهو التشريع الأساسي الذي يحمي الأنهار والمياه الجوفية في أوروبا، بهدف تسريع تنفيذ هذه المشاريع. غير أن هذه الخطوة أثارت مخاوف من إضعاف الضوابط البيئية، خاصة في ظل غياب أدلة واضحة على أن القوانين الحالية تعيق الاستثمار.
ويرى خبراء أن التسرع في تخفيف القيود البيئية قد يحمل مخاطر طويلة الأمد، ليس فقط على الموارد الطبيعية، بل أيضًا على المجتمعات المحلية والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمياه، مثل الزراعة. ويحذر البعض من أن أي خلل كبير في إدارة الموارد المائية قد يؤدي إلى أضرار يصعب إصلاحها.
في المقابل، تدافع شركات التعدين عن هذه المشاريع، مؤكدة التزامها بالمعايير البيئية واستخدامها لتقنيات حديثة تقلل من استهلاك المياه. كما تشير إلى أن هذه الاستثمارات ضرورية لضمان استقلالية أوروبا في سلاسل الإمداد الحيوية.
غير أن هذه الطموحات الصناعية تصطدم بحقائق بيئية معقدة. فصناعة التعدين تُعد من أكثر الأنشطة استهلاكًا للمياه، إذ تتطلب كميات ضخمة لمعالجة الخام، وتقليل الغبار، وإدارة المخلفات. وعلى الرغم من استخدام تقنيات حديثة لإعادة تدوير المياه داخل بعض المشاريع، إلا أن الاعتماد على مصادر المياه يظل كبيرًا، خصوصًا في المناطق الجافة.