السلام العالمي يتداعى.. وهذا السر
على مدار 80 عاما، صمد السلام العالمي بفضل دور الأمم المتحدة في الحفاظ على مبدأين أساسيين هما رفض الحروب والإمبراطوريات.
وبحسب مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية، قام السلام العالمي الذي استمر نحو ثمانية عقود بعد الحرب العالمية الثانية على فكرتين ثوريتين أساسيتين هما رفض الحروب العدوانية، ورفض الإمبراطوريات والاستعمار.
وفي تقرير لها، ذكرت المجلة أن الفكرتين نشأتا نتيجة الدمار الهائل الذي خلفته الحربان العالميتان، إضافة إلى نضال شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ضد الاستعمار.
وجسد ميثاق الأمم المتحدة عام 1945 هذين المبدأين سياسياً وقانونياً، مما ساعد العالم على تجنب حرب عالمية ثالثة، ومهد لتفكيك الإمبراطوريات الأوروبية وظهور ما يقارب 200 دولة مستقلة.
ورغم الصراعات، شهدت العقود الثمانية الماضية تقدماً غير مسبوق في مستويات المعيشة والاستقرار العالمي بفضل أطول فترة سلام نسبي في تاريخ البشرية الحديث، لكن هذا السلام بات اليوم مهددا بالانهيار، لأن المبدأين اللذين شكلا أساسها أصبحا يتآكلان بسرعة.
ومن مظاهر انهيار هذا السلام، تصاعد الحروب بين الدول والحروب الأهلية، وعودة القوى الكبرى إلى استخدام القوة العسكرية المباشرة، مثل الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، إضافة إلى سباق التسلح النووي وتراجع اتفاقيات الحد من الأسلحة.
وفي الوقت نفسه، أصبحت الدبلوماسية الدولية ضعيفة ومحدودة التأثير، بينما تبدو الأمم المتحدة غائبة عن إدارة الأزمات الكبرى.
لكن تحليل "فورين أفيرز" يرفض التفسير الشائع الذي يعتبر أن سبب الأزمة الحالية هو انهيار "النظام الدولي الليبرالي" الذي قادته الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة لأن هذا السلام الطويل لم يكن نتيجة الهيمنة الأمريكية أو النظام الليبرالي، بل نتيجة الالتزام العالمي بمبدأي رفض الحرب ورفض الإمبراطورية.
كما أن النظام الليبرالي نفسه ساهم -أحياناً- في إضعاف هذين المبدأين من خلال التدخلات العسكرية والهيمنة السياسية.
وتعد المشكلة الحقيقية هي فقدان الذاكرة التاريخية الجماعية فالعالم نسي أهوال الحروب العالمية والاستعمار، كما نسي أيضاً الدور المحوري الذي لعبته الأمم المتحدة في صناعة السلام خلال عقود سابقة.
وبالنسبة للأمم المتحدة، فعلى الرغم من أن المنظمة تم تأسيسها أصلاً كآلية لمنع حرب عالمية جديدة بين القوى الكبرى، فإنها تحولت تدريجياً إلى منصة عالمية للدول الصغيرة والشعوب المستعمَرة، ولعب الشاغلون الأوائل لمنصب الأمم المتحدة أدواراً حاسمة في الوساطة الدولية ومنع التصعيد العسكري.
كما أصبحت المنظمة الدولية أداة رئيسية لدعم إنهاء الاستعمار، خاصة بعد انضمام الدول الآسيوية والأفريقية المستقلة حديثاً إلى الجمعية العامة.
وفي ستينيات القرن العشرين، قادت هذه الدول ما عُرف بالكتلة الأفروآسيوية داخل الأمم المتحدة، ودافعت عن حق الشعوب في تقرير المصير والمساواة بين الدول.
وفي عام 1960، أصدرت الجمعية العامة إعلان منح الاستقلال للشعوب والدول المستعمَرة، وهو ما شكل تحولاً تاريخياً ضد الاستعمار والإمبراطوريات.
كما لعب الأمين العام يو ثانت دورا كبيرا خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، حيث ساهم عبر وساطات مباشرة بين واشنطن وموسكو وهافانا في تجنب حرب نووية.
وقادت الأمم المتحدة أيضا جهود وساطة ناجحة في نزاعات عديدة، منها الحرب بين الهند وباكستان عام 1965، إضافة إلى تدخلها في الكونغو ضد التدخلات الاستعمارية والقوى العنصرية.
لكن هذه المرحلة بدأت تتراجع منذ أواخر الستينيات، مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة، خاصة بسبب موقف المنظمة من حرب فيتنام والقضية الفلسطينية وحركات التحرر الأفريقية.
وفي الوقت نفسه، تراجعت القيادات السياسية في دول الجنوب التي كانت تدافع عن النظام الدولي القائم على المساواة والسيادة.
ومع ذلك، استمرت الأمم المتحدة في لعب دور مهم في الثمانينيات، خصوصاً بقيادة الأمين العام خافيير بيريز دي كوييار الذي ساهم في إنهاء الحرب الإيرانية العراقية والتوسط في أفغانستان وكمبوديا وموزمبيق وغيرها.
تغيرات
لكن بعد نهاية الحرب الباردة، تغيرت طبيعة الأمم المتحدة بشكل كبير فقد أصبحت مرتبطة بالنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، وتحولت من الوساطة بين الدول إلى التدخل في الحروب الأهلية تحت شعارات حقوق الإنسان والتدخل الإنساني.
وأضعف ذلك مبدأ السيادة الوطنية وأعاد إحياء مخاوف الهيمنة والإمبراطورية.
وكان الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 ضربة مباشرة لمبدأ رفض الحروب العدوانية، بينما أدى التدخل الغربي المتكرر إلى تآكل الثقة بالأمم المتحدة.
ومع صعود قوى دولية جديدة مثل الصين وتراجع الهيمنة الأمريكية، أصبح النظام الدولي القديم ينهار دون وجود بديل واضح.
وأخيرا، يدعو التحليل إلى إعادة بناء النظام العالمي على أساس المبدأين الأصليين وهما رفض الحروب والإمبراطوريات، ويرى أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تعديل مؤسسات الأمم المتحدة فقط، بل من استعادة الإرادة السياسية والوعي الشعبي بأهمية السلام والسيادة والاستقلال.
كما يشدد على ضرورة أن يتحلى الأمين العام القادم للأمم المتحدة بالشجاعة والقدرة على الوساطة في النزاعات الكبرى، وأن تستعيد الشعوب والحكومات ذاكرة الكوارث التي سببتها الحروب والاستعمار.