من أكثر الإشكالات شيوعا في قراءة العلاقات الدولية إسقاط منطق العلاقات الفردية على سلوك الدول، وكأن القرارات السيادية تُتخذ بالعاطفة أو بردود الفعل الآنية.
هذا الفهم المبسط يفتح المجال لتأويلات خاطئة، ويمنح بعض الأصوات مساحة لخلق روايات مشوشة، تُصوّر السياسة وكأنها انفعال لا حساب، أو خصومة شخصية لا إدارة مصالح.
الدولة، في جوهرها، ليست شعورا ولا مزاجا، بل مسؤولية شاملة تجاه شعبها وأمنه واستقراره ومستقبله. ومن يتولى القرار العام لا يملك ترف الانفعال، بل يتحرك وفق ميزان دقيق للمصالح، يقدّم المصلحة الوطنية ويؤخر كل ما سواها. في هذا الإطار فقط يمكن فهم العلاقات بين الدول، سواء في أوقات التوافق أو في لحظات التباين.
وما يبرز أحيانا في المشهد الإقليمي، وخصوصا بين دول شقيقة، لا يتجاوز كونه اختلافا في وجهات النظر أو تباينا في مقاربة بعض الملفات.
والاختلاف، في المنطق السياسي، ليس خللا ولا مقدمة لقطيعة، بل ظاهرة طبيعية بين دول واثقة بقرارها، تمتلك سيادتها، وتعرف كيف تحمي مصالحها دون تهور أو تصعيد غير محسوب.
حيث لا يكمن التحدي الحقيقي في الاختلاف ذاته، بل في الطريقة التي يُدار بها، وفي الجهات التي تسعى إلى تضخيمه أو استثماره. فهناك من يخلط عمدا بين التباين السياسي والخلاف الجوهري، وهناك من يبحثون عن إثارة الرأي العام، وصناعة ضجيج إعلامي باستخدام مختلف القنوات وخصوصا منصات التواصل الاجتماعي، متجاوزين العرف والأخلاق العربية الأصيلة.
علاقاتنا في الخليج العربي ليست نتاج لحظة سياسية ولا رهينة ظرف عابر. هي علاقات ضاربة في الجذور، تشكلت عبر التاريخ، وتغذت من صلة الدم والجوار والتداخل الاجتماعي والاقتصادي.
قبل قيام الدول الحديثة كانت هذه الروابط قائمة، وبعد قيامها استمرت، لأنها أعمق من السياسة وأكثر ثباتا من المتغيرات. في هذا السياق، تبرز قيمة ما يُعرف في العرف السياسي بـالصمت الاستراتيجي والدبلوماسية الهادئة. فالحكمة لا تكمن دائما في سرعة الرد ولا في رفع الصوت، بل في حسن تقدير التوقيت وحدود الخطاب.
أحيانا يكون الصمت رسالة محسوبة لا فراغا، وأداة إدارة لا ضعفا، تمنع تحويل التباين إلى أزمة، وتحرم المتربصين من استنزاف العلاقات في سجالات إعلامية لا طائل منها. هذا المنطق ليس جديدا في الفكر السياسي.
فالمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، التي يمثلها مفكرون وممارسون بارزون مثل هنري كيسنجر، تنطلق من قاعدة واضحة مفادها أن الدولة التي تنجر للرد على كل استفزاز تفقد قدرتها على التحكم في مسار الأحداث. لذلك، بُنيت تجارب سياسية عديدة في أوروبا وآسيا على إدارة التوتر لا الانخراط فيه، وعلى تفعيل القنوات الخلفية والحوار الهادئ بدلا من المواجهة العلنية. فالسياسة الحكيمة تتطلب أن يكون الرد حكيما لا انفعاليا، وصمتا محسوبا، و موقفا مقتضبا، أو عملا هادئا خلف الكواليس.
الرد يكون بالوقائع لا بالنبرة، وبالعقل لا بالعاطفة. هكذا تُدار الاختلافات بين الدول الراسخة، وهكذا تُحفظ العلاقات دون التفريط بالمصالح.
الخطر الحقيقي في مثل هذه المواقف لا يتمثل في الاختلاف ذاته، بل في كيفية توظيفه خارج إطاره الطبيعي، وفي محاولات بعض الأطراف استثماره إعلاميا بما يتجاوز حجمه وحدوده. فهناك خطابات تسعى إلى تضخيم التباين وبناء سرديات مشوشة، لا تستند إلى قراءة موضوعية ولا تعبّر عن وعي جمعي مسؤول، وتهدف إلى تحويل النقاش السياسي إلى حالة من الاستقطاب أو الإرباك الاجتماعي والفتن التي قد تضر بالاستقرار الإقليمي.
ولذلك، فإن الوعي المجتمعي يشكّل خط الدفاع الأول. فأبناء دولة الإمارات، رجالاً ونساءً، يدركون هذا النمط من الخطاب ويميزون بين الاختلاف المشروع ومحاولات التشويش المتعمدة، وهو وعي لم يتشكل صدفة، بل تأسس على منظومة قيم راسخة أرساها الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، تقوم على الحكمة، والاعتدال، وحسن الجوار، واحترام الآخر، وتغليب وحدة الصف.
ومن هذا المنطلق، تبقى ردودنا كشعب ومحبين لوطننا الحبيب ردودا مسؤولة، تتسم بالأدب والتقدير وضبط الخطاب، خصوصا حين يكون الحديث عن دول شقيقة، إدراكا بأن الاحترام المتبادل واللغة الهادئة جزء لا يتجزأ من قوة الدولة ونضج مجتمعها.
نحن في دولة الإمارات - مواطنين ومقيمين - نفخر بقيادتنا الرشيدة التي أعادت ترسيخ قيم الحكمة وبعد النظر والاتزان في المواقف، وأكدت لنا بأن رؤية الإمارات الراسخة لا تستدرجها الخلافات ولا تشتتها الصراعات، بل تمضي بثبات نحو الريادة، والصدارة، والمضي قدماً إلى الأمام.
فنحن كشعب نجدد العهد لقيادتنا بأن نكون دائماً السند والداعم، حاضرين بوعي ومسؤولية، لا نمنح الفرصة للمحرّضين ولا للمندسين، ونقف صفاً واحداً خلف نهج دولتنا، نؤمن بمسارها ونحمي مكتسباتها، ونقدّم مصلحة الوطن في كل اتجاه. ونسأل الله - العلي القدير - أن يحفظ قائدنا الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات، وإخوانه حكام الإمارات، وولي عهده الأمين، وأن يمدّهم بالصحة والعافية، وأن يديم على الإمارات أمنها واستقرارها، ويبارك في شعبها ومستقبلها، ويجعلها دائماً نموذجاً للحكمة والقوة والإنسانية
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة