مؤشر الوجبات السريعة.. الأمريكيون يغيّرون عاداتهم وسط أزمة معيشة
يتزايد عدد الأمريكيين الذين يغيرون أنماط تناولهم للطعام لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، وهذا العدد المتزايد من المواطنين يشكل تحديا اقتصاديا لنحو 215 ألف منفذ للوجبات السريعة في البلاد.
ووفقًا لشركة أبحاث السوق "بلاك بوكس إنتليجنس"، لم تُسجّل سوى 9% من علامات الوجبات السريعة نموًا إيجابيًا في عدد الزيارات على أساس سنوي، مقارنةً بـ27% من علامات المطاعم بشكل عام في أمريكا.
وتُعدّ هذه النسبة الأدنى بين جميع فئات المطاعم، بما في ذلك المطاعم الفاخرة والعادية.
وتُعدّ سلاسل مطاعم الوجبات السريعة، مثل وينديز وماكدونالدز وبرغر كينغ، من أبرز الصادرات التجارية الأمريكية، وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من المشهد الاقتصادي العالمي، حيث تنتشر فروعها على جوانب الطرق السريعة، وفي المطارات، وداخل الملاعب الرياضية.
لكن نموذج أعمالها، الذي يجمع بين انخفاض تكاليف التشغيل وتقديم كميات كبيرة من الوجبات الرخيصة، يواجه الآن صعوبات في سوقه المحلي.
فمع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة والعمالة، يُقلّص المستهلكون بشكل متزايد إنفاقهم على المشتريات العفوية والسريعة.
وفي يناير/كانون الثاني، كان المستهلكون الأمريكيون أقل ثقة بصحة الاقتصاد منذ 12 عامًا، وفقًا لمؤشر صادر عن مركز الأبحاث "كونفرنس بورد".
وربما لم يُعانِ أي قطاع آخر بقدر ما عانت وينديز، السلسلة التي ابتكرت خدمة الطلب من السيارة عام 1970، والتي انخفض سعر سهمها بنسبة 48% خلال العام الماضي.
وقد صرّح كين كوك، الرئيس التنفيذي المؤقت لوينديز، للمحللين في نوفمبر/تشرين الثاني بأن المبيعات "لا تزال تحت ضغط"، وأن الشركة "تتخذ إجراءات عاجلة" لاستعادة النمو.
ومن الأمثلة الواقعية التي سلطت عليها صحيفة فايننشال تايمز الضوء بيل وماري، وهما زوجان متقاعدان من الغرب الأوسط الأمريكي، يتناولان الطعام في أحد فروع سلسلة مطاعم "ذا تايم" الواقعة على الطريق السريع 75 في تشاتانوغا بولاية تينيسي. ويجدان نفسيهما الآن الوحيدين في المطعم، رغم أنه وقت الغداء يوم الجمعة.
ويقول بيل، الذي رفض ذكر اسم عائلته، إنه أصبح يشتري الوجبات السريعة مرة واحدة على الأقل أسبوعيًا، إما لتوفير الوقت أو لإسعاد أحد أحفاده العشرة.
لكنه يضيف أنه ليس متفاجئًا من قلة الزبائن، ويقول وهو يتناول قطع الدجاج والبطاطس المقلية وعصير الليمون: "كل شيء باهظ الثمن هذه الأيام، ويجب أن نحرص على أموالنا عندما نعيش على الضمان الاجتماعي".
ويضغط تزايد عزوف فئة رئيسية من المستهلكين عن الإنفاق على نموذج المطاعم الذي غيّر مفهوم تناول الطعام خارج المنزل لدى الأمريكيين. وكتب محللو مورغان ستانلي في مذكرة بحثية العام الماضي: "ليس من المبالغة القول إن الوضع صعب في مطاعم الخدمة السريعة هذه الأيام".
وتُجري سلسلة مطاعم وينديز حاليًا عملية إغلاق مئات من فروعها بعد ثلاثة أرباع متتالية من انخفاض الإيرادات على أساس سنوي.
وسجلت بيتزا هت انخفاضًا بنسبة 3% في مبيعاتها بالولايات المتحدة في الربع الأخير، وهو الانخفاض الفصلي التاسع على التوالي. وتعتزم الشركة المالكة، "يوم! براندز"، إغلاق مئات الفروع، وتدرس بيع السلسلة.
ويقول مسؤولون تنفيذيون في شركات مثل كريس كيمبكزينسكي من ماكدونالدز وكوك من وينديز إن رواد المطاعم الحريصين على ميزانياتهم يتجهون إلى العروض الترويجية الأرخص أو يحوّلون جزءًا أكبر من إنفاقهم على الطعام إلى متاجر البقالة.
وقد تراجعت أسعار الأسهم في هذا القطاع مقارنةً بأداء مؤشر ستاندرد آند بورز 500 في عام 2025.
وتقول كبيرة محللي المطاعم في بنك أوف أمريكا، سارة سيناتور، إنه في فترات الركود السابقة، جرى تعويض تأثير تقليص الإنفاق لدى ذوي الدخل المنخفض من خلال لجوء ذوي الدخل المرتفع إلى خيارات أقل تكلفة.
وتضيف: "نبحث عن التخفيضات التي شهدناها خلال الأزمة المالية العالمية، ولم نرها بعد".
وتُشير معاناة مطاعم الخدمة السريعة إلى التباين المتزايد في الاقتصاد الأمريكي، حيث تشهد المطاعم وغيرها من الشركات التي تُلبّي احتياجات الأمريكيين ذوي الدخل المحدود انخفاضًا في المبيعات مع تزايد صعوبة تغطية نفقاتهم، بينما تتمتع الشركات التي تُلبّي احتياجات المستهلكين الميسورين بإنفاق قوي مدعوم بازدهار أسواق الأسهم.
ووجدت شركة "بلاك بوكس إنتليجنس" أن مطاعم الطعام الفاخر كانت القطاع الأفضل أداءً في صناعة المطاعم في ديسمبر/كانون الأول 2025، حيث أنفقت الأسر ذات الدخل المرتفع ببذخ.
وقال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند، توم باركين، في خطاب ألقاه في نوفمبر/تشرين الثاني: "إذا كنت تُنشئ مراكز بيانات، أو تُزوّد الطاقة، أو تبيع لعملاء ذوي دخل مرتفع، أو تتداول في وول ستريت، أو تُنشئ مصانع أدوية، أو تعيش في كارولاينا، فإن اقتصادك مزدهر. لكن إذا كنت مزارعًا، أو سمسار عقارات، أو مصنعًا متضررًا من الرسوم الجمركية، أو تعتمد على المستهلكين ذوي الدخل المنخفض، فأنت تعاني".
ويقول تقرير سابق نُشر نهاية عام 2025 عبر شبكة سي إن بي سي الأمريكية إن أزمة التفاوت في الاقتصاد الأمريكي أصبحت ضخمة بشكل صادم.
وتتباين آراء الأمريكيين بشكل كبير حول الاقتصاد، ويعود هذا التباين جزئيًا إلى مستوى الدخل، وفقًا لبيانات نقلتها الشبكة عن بنك جيه بي مورغان.
وأظهر مسح تكلفة المعيشة الذي أجراه بنك جيه بي مورغان أن المستهلكين ذوي الدخل المرتفع كانوا أكثر ميلًا للإبلاغ عن مؤشرات ثقة اقتصادية أقوى عند سؤالهم عن توقعاتهم للعام المقبل في ضوء التغيرات التي طرأت منذ الانتخابات الرئاسية.
ويُضاف هذا التقرير إلى مجموعة متنامية من الأدلة النوعية والكمية التي تُشير إلى أن الاقتصاد الأمريكي يمر بمرحلة "K-shape"، وهو مصطلح يستخدمه الاقتصاديون لوصف التباين في التجارب الاقتصادية بحسب مستوى الدخل.
وبعبارة أخرى، يمكن تفسير ذلك كسبب لاستمرار الأمريكيين الميسورين في الإنفاق، بينما يُعاني ذوو الدخل المنخفض من ضغوط التضخم.
وكتب محلل شؤون المستهلكين في بنك جيه بي مورغان، ماثيو بوس، وهو محلل ذو شهرة واسعة ويحظى بمتابعة كبيرة، في مذكرة لعملائه: "أشارت نتائج المسح إلى وجود انقسام ملحوظ".