الانفصال عن «إيباك».. تحول ديمقراطي «يربك» لوبي إسرائيل
تحولات ملحوظة في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، شهدتها السنوات الأخيرة، كان أبرزها، محاولة عدد متزايد من المرشحين والسياسيين الديمقراطيين النأي بأنفسهم عن لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "إيباك".
هذا التحول يرتبط بتغير المزاج السياسي لدى الناخبين الديمقراطيين، خاصة بعد حرب غزة، إضافة إلى الانتقادات المتزايدة لدور المنظمة في تمويل الحملات الانتخابية والتأثير على مواقف السياسيين وفقا لما ذكرته شبكة "سي إن إن" الإخبارية الأمريكية.
ويظهر هذا التحول بوضوح في سباق انتخابي مهم في ضواحي شيكاغو، حيث يترشح دانيال بيس، عمدة مدينة إيفانستون، لمقعد في مجلس النواب الأمريكي.
ورغم خلفيته الشخصية المرتبطة بإسرائيل فهو حفيد لناجين من الهولوكوست وكان يحمل جنسية مزدوجة ودرس في إسرائيل لفترة قصيرة إلا أنه يتبنى مواقف تقدمية تدعو إلى العدالة والكرامة وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.
ويعتقد بيس أن "إيباك" تضخ ملايين الدولارات في السباق الانتخابي ضده بسبب مواقفه السياسية التي تنتقد سياسات الحكومة الإسرائيلية.
اختبار مهم
ويرى بيس أن ترشحه يشكل اختبارًا مهمًا فإذا تمكن من الفوز رغم المعارضة المالية والسياسية من "إيباك" فقد يشجع ذلك مرشحين ديمقراطيين آخرين على اتخاذ مواقف مستقلة وعدم الخضوع لضغط المنظمة.
وقد وصلت الأموال المرتبطة بـ"إيباك" في سباقات مجلس النواب في منطقة شيكاغو وحدها إلى أكثر من 20 مليون دولار قبل الانتخابات التمهيدية، وذلك عبر لجان سياسية متعددة مثل مشروع الديمقراطية المتحدة.
شيكاغو ليست حالة فردية، ففي العديد من الولايات الأمريكية، مثل مينيسوتا وميسيسيبي وتكساس، أصبح موقف المرشحين من "إيباك" موضوعًا متكررًا في الحملات الانتخابية والمناظرات العامة، حتى إن بعض المرشحين يواجهون أسئلة مباشرة حول ما إذا كانوا يقبلون تبرعات من المنظمة أو من المجموعات المؤيدة لإسرائيل.
كما ظهرت على وسائل التواصل الاجتماعي حسابات تنشر معلومات عن التبرعات السياسية المرتبطة بإسرائيل، وتستخدمها لانتقاد المرشحين.
تزامن هذا الجدل مع تزايد الانتقادات داخل اليسار الأمريكي لسياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خاصة بسبب حرب غزة وهو ما أدى إلى شعور العديد من الديمقراطيين المؤيدين تقليديًا لإسرائيل بحالة من التوتر والارتباك فهم لا يريدون التخلي عن دعمهم لإسرائيل، لكنهم في الوقت نفسه غير مرتاحين لسياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية.
في المقابل، يشعر بعض السياسيين الديمقراطيين بأن دعمهم التقليدي لإسرائيل أصبح يتم تفسيره الآن على أنه موقف يميني أو متطرف، رغم أنه كان لعقود جزءًا من الإجماع السياسي الأمريكي ويخشى بعضهم أن يتحول دعم إسرائيل إلى قضية حزبية مثيرة للانقسام، بدلًا من كونه موقفًا مشتركًا بين الحزبين.
انتقادات
ومع ذلك، فإن الانتقادات الموجهة إلى "إيباك" لا تأتي فقط من اليسار؛ ففي السنوات الأخيرة، ظهرت أيضًا أصوات من أقصى اليمين تتهم المنظمة بالتأثير المفرط على السياسة الأمريكية، مما أثار مخاوف من انتشار خطابات معادية لليهود تحت غطاء انتقاد المنظمة أو سياسات إسرائيل.
وقال بعض المسؤولين اليهود في الحزب الديمقراطي إنهم يتلقون تعليقات عدائية على وسائل التواصل الاجتماعي تتضمن عبارات مهينة أو معادية للسامية.
من جانبها، تنفي "إيباك" الاتهامات بأنها أصبحت أقرب إلى الحزب الجمهوري أو أنها تدعم سياسات حكومة نتنياهو دون نقد. وتؤكد المنظمة أن هدفها الأساسي هو تعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وضمان استمرار الدعم الأمني لإسرائيل ومنع إيران من الحصول على سلاح نووي.
كما أشارت "إيباك" إلى أن نسبة كبيرة من المرشحين الذين دعمتهم في الانتخابات السابقة فازوا بمقاعدهم، وهو ما تعتبره دليلًا على قوة نفوذها السياسي.
تغير المواقف
لكن بعض القادة الديمقراطيين بدأوا بالفعل في اتخاذ خطوات تعكس تغيرًا في المواقف مثل قبول زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز دعم منظمة "جيه ستريت" وهي مجموعة ضغط مؤيدة لإسرائيل لكنها أكثر انتقادًا للحكومة الإسرائيلية من "إيباك وهي خطوة ينظر إليها على أنها محاولة لإيجاد توازن بين دعم إسرائيل وانتقاد سياساتها.
كما ظهرت حالات أخرى تعكس التعقيد المتزايد في هذه القضية ففي ولاية نيوجيرسي، أنفقت لجنة سياسية مرتبطة "إيباك" ملايين الدولارات في حملة انتخابية ضد المرشح الديمقراطي السابق توم مالينوفسكي، بعدما دعا إلى فرض شروط على المساعدات الأمريكية لإسرائيل.
وقد خسر مالينوفسكي الانتخابات بفارق ضئيل، وهو ما أثار جدلًا واسعًا داخل الحزب الديمقراطي حول دور الأموال السياسية في توجيه نتائج الانتخابات.
وتعليقا على ذلك، انتقدت النائبة التقدمية ألكسندريا أوكاسيو كارتيز "إيباك" واعتبرت أنها أصبحت منظمة يمينية تؤثر سلبًا على الديمقراطية الأمريكية.
ومع ذلك، فإن بعض الديمقراطيين الذين لا يتفقون مع مواقفها السياسية يشاركونها القلق نفسه بشأن حجم نفوذ "إيباك" في الانتخابات التمهيدية للحزب.