شركات أمن خاصة لنزع سلاح «حماس».. هل ينجح الخيار؟
بعد توقف الحرب في غزة، بات السؤال الأصعب حول كيفية تفكيك القوة العسكرية لحماس ومنعها من إعادة إنتاج نفسها وتجديد اندلاع الحرب.
وبين عجز البدائل التقليدية، من تدخل أممي محدود الفاعلية إلى سلطة فلسطينية تفتقر إلى القدرة، يطرح تحليل لـ«فورين أفيرز» مقاربة مثيرة للجدل ترى في شركات الأمن الخاصة أداة محتملة لكسر الحلقة المفرغة بين الهدنة الهشة وتجدد الحرب.
فبعد عامين من الحرب المدمّرة في قطاع غزة، بدأ وقف إطلاق النار الذي أُعلن في أكتوبر/تشرين الأول الماضي إنجازًا سياسيًا نادرًا. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما اصطدم بواقع أكثر تعقيدًا، فالهدنة لا تعني السلام، ونزع سلاح حماس يظل العقبة الأكبر أمام أي تسوية دائمة.
وبينما تطلّبت المرحلة الأولى من خطة ترامب — التي شملت وقف إطلاق النار وعودة الرهائن — مفاوضات شاقة وحربًا طويلة، إلا أنها لم تعالج جوهر الأزمة. إذ لا يمكن الانتقال من تهدئة مؤقتة إلى سلام مستدام دون إقصاء حماس عن الحكم وتجريدها من قدراتها العسكرية.
ورغم اعتقاد واشنطن أن حركة حماس «مستعدة» لنزع سلاحها مع انتقال اتفاق وقف إطلاق النار في غزة إلى المرحلة الثانية، إلا أن الحركة ترفض حتى الآن، التخلي عن سلاحها، بل تعمل على إعادة ترسيخ نفوذها في أجزاء واسعة من القطاع عبر تصفية خصومها وإطلاق النار المتكرر على القوات الإسرائيلية.
ونتيجة لذلك، يبقى الجيش الإسرائيلي عاجزًا عن الانسحاب الكامل، فيما تظل مليارات الدولارات المخصّصة لإعادة الإعمار معلّقة بانتظار بيئة أمنية مستقرة.
مأزق البدائل التقليدية
تواجه كل الخيارات المطروحة لإبقاء حماس ضعيفة عقبات جدّية. فالجيش الإسرائيلي، المنهك بعد حرب طويلة، يحتاج إلى إعادة تنظيم وتسليح، كما أن أي هجوم بري جديد سيحمل كلفة سياسية ودبلوماسية باهظة.
أما قوات السلطة الفلسطينية، فلا تملك لا القدرة ولا الإرادة لخوض مواجهة مباشرة مع حماس، في حين ترفض الدول المرشحة للمشاركة في قوة استقرار دولية تعريض جنودها لصدام مباشر مع الحركة.
هذا الفراغ الأمني يفتح الباب أمام سيناريوهات غير مرغوبة: استمرار حماس في إعادة بناء قوتها، هشاشة وقف إطلاق النار، واحتمال العودة إلى دوامة العنف. ومن هنا، يبرز تساؤل مركزي: هل يوجد مسار آخر لم يُستنفد بعد؟
خيار مُهمَل.. شركات الأمن الخاصة
في هذا السياق، يطرح بعض الخبراء خيارًا مثيرًا للجدل: الاستعانة بشركات الأمن العسكرية الخاصة. هذه الشركات، إذا عملت وفق قواعد اشتباك صارمة وتحت إشراف واضح، تمتلك سجلًا في العمل داخل بيئات شديدة التعقيد.
فقد دعمت عمليات عسكرية أمريكية خلال «الحرب على الإرهاب»، وأدّت أدوارًا أمنية حساسة في مناطق نزاع مختلفة.
وفي غزة، يرى هذا الطرح أن قوات أمن خاصة خاضعة لإشراف دولي يمكن أن تؤدي دورًا عمليًا في تطهير مناطق من مقاتلي حماس وبنيتها التحتية، والحد من قدرتها على السيطرة على السكان.
ويذهب أنصار هذا الخيار إلى أن المتعاقدين الأمنيين قد يكونون القوة الوحيدة — إلى جانب الجيش الإسرائيلي — المستعدة فعليًا لمواجهة الحركة بشكل مباشر في مرحلة ما بعد الحرب.
حماس لم تُهزم
ورغم الضربات القاسية التي تلقّتها، لم تُدمَّر حماس. فما زالت تسيطر على أجزاء واسعة من شبكة الأنفاق التي بنتها قبل الحرب، وعلى مبانٍ مفخخة وقدرات تصنيع للعبوات الناسفة، فضلًا عن قنوات إعادة إمداد عبر طائرات مسيّرة.
وفي اليوم الأول من وقف إطلاق النار، أعادت حشد آلاف المقاتلين لفرض سلطتها، مستغلة الفراغ الأمني في مناطق غير خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، حيث يعيش غالبية سكان القطاع.
هذا الواقع يجعل الهدنة عرضة للانهيار في أي لحظة. فاستمرار تعافي حماس قد يدفع إسرائيل إلى تكثيف الضربات الجوية أو استئناف العمليات البرية، وهو سيناريو يسعى الجميع إلى تجنّبه.
لماذا لا تنجح القوات الأممية؟
نظريًا، يمكن لقوات تابعة للأمم المتحدة أن تحل محل الجيش الإسرائيلي في بعض مناطق غزة. لكن التجارب السابقة، ولا سيما في جنوب لبنان، تُظهر محدودية فاعلية هذا الخيار. فالقيود السياسية وقواعد الاشتباك الضيقة تجعل هذه القوات عاجزة عن منع إعادة تسليح الجماعات المسلحة.
كما أن إسرائيل تتحفظ على وجود أممي واسع بعد اتهامات بتورّط عناصر إنسانية في هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، فضلًا عن مخاطر الاحتكاك غير المقصود مع الجيش الإسرائيلي.
أما الاعتماد على قوات السلطة الفلسطينية، فيواجه معضلة مختلفة، فهي ستُنظر إليها في غزة باعتبارها أداة إسرائيلية، فضلًا عن سجلها المحدود في مواجهة جماعات مسلحة أضعف في الضفة الغربية.
الفرصة الأخيرة قبل العودة للحرب
وسط هذا الانسداد، يُقدَّم خيار شركات الأمن الخاصة باعتباره «الفرصة الأخيرة والأفضل» قبل العودة إلى سيناريو المواجهة المفتوحة.
فهذه الشركات يمكن تشكيلها بسرعة، أسرع من أي قوة استقرار دولية، ويمكن أن تعمل تحت إشراف منسّق أمني أمريكي وبغطاء سياسي من «مجلس السلام» الذي أُنشئ ضمن خطة ترامب.
ووفق هذا التصور، يوفّر المجلس إطارًا للرقابة، ويضع قواعد اشتباك واضحة، ويفرض عقوبات صارمة على أي تجاوزات، بما يقلّل من المخاطر على المدنيين.
ومع تقدّم عملية نزع السلاح، يمكن لاحقًا إنشاء قوة استقرار دائمة وشرطة فلسطينية جديدة تُدرَّب بدعم أوروبي وأمريكي.
معركة لا مفر منها؟
لا أحد يزعم أن نزع سلاح حماس سيكون مهمة سهلة. فالمعركة ستكون شاقة أيا كانت الجهة التي تخوضها، وربما تنتهي في نهاية المطاف بعودة الجيش الإسرائيلي.
لكن وفق «فورين أفيرز» فإنه حتى في هذا السيناريو، ستعود الأطراف إلى النقطة نفسها: وقف إطلاق نار جديد، ونقاش متجدد حول كيفية إقصاء حماس.
في هذا السياق، يخلص التحليل إلى أن شركات الأمن الخاصة لم تعد خيارًا هامشيًا، بل عنصرًا لا غنى عنه في أي مسار واقعي نحو سلام دائم في غزة. فبدون نزع السلاح، سيبقى السلام مؤجلًا، وستظل المنطقة تدور في حلقة مفرغة من الهدن المؤقتة والحروب المتكررة.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQxIA== جزيرة ام اند امز