"تهجير المؤنث".. تحيزات الثقافة والسياسة ضد المرأة

"تهجير المؤنث" دراسة ثقافية حول ما يعنيه أن تكون امرأة في مجتمع مليء بالتحيز والازدراء والغضب والتعدي تجاه الأنثى من جميع الأعمار
عُرفت الكاتبة والمسرحية والمترجمة المصرية نورا أمين، بإسهاماتها الإبداعية في القصة والرواية والمسرحية والترجمة؛ لكنها قررت أن تظهر بوجه بحثي جديد من خلال كتابها "تهجير المؤنث" (دراسة ثقافية للتعديات على الجسد الأنثوي في المجال العام)، الصادر أخيرًا عن دار آفاق للنشر والتوزيع بالقاهرة.
في منطقة بحثية تجمع بين الدراسات الثقافية والنظريات النسوية، جاء هذا الكتاب الذي كان في أصله الأول بالإنجليزية لدراسة التعديات الثقافية والاجتماعية على الجسد الأنثوي في مصر من خلال رصد وتحليل وقائع وأحداث وشهادات جمعتها المؤلفة بصبر وأناة في السنوات الأخيرة. استثمرت نورا أمين خبراتها المتراكمة، إنسانيًّا وثقافيًّا وفنيًّا، في إنجاز دراسة شديدة الأهمية في المجال الثقافي والاجتماعي والسياسي العام، بطرحها النظري، ومادتها الوقائعية التسجيلية، وأيضًا بصياغتها اللغوية التي نجحت إلى حد كبير في نحت واشتقاق مقابلات عربية لمصطلحات ومفاهيم إنجليزية كانت (وربما ما زالت) محل خلاف في الترجمة بين المشتغلين في هذا المجال في الثقافة العربية.
لكن: لماذا تهجير المؤنث؟ طرحت المؤلفة هذا السؤال المنتظر في صدارة كتابها، قائلة "فكرتُ أن هذا سوف يكون السؤال الأول للقارئ العربي وهو يجد كاتبة تخصصت في الرواية والقصة تتجه إلى مجال الدراسات البحثية، فالعمل الذي بين أياديكم يقع في موقع وسط بين الدراسات الثقافية والدراسات النسوية، لكنه يتقاطع أيضًا مع المبحث السياسي عن العنصرية والأجنبية".
"تهجير المؤنث" دراسة رصينة، حاولت من خلالها المؤلفة وبشجاعة تحمد لها الإجابة عن التساؤلات التي تدور حول ما يعنيه أن تكون امرأة في مجتمع مليء بالتحيز والازدراء والغضب والتعدي تجاه الأنثى من جميع الأعمار، وفي شتى الأشكال، بدءًا من الطريقة التي يتم بها التعامل مع الطفلة الصغيرة وصولًا إلى الوقائع العنيفة والصادمة التي وقعت في الشارع المصري، خصوصًا في السنوات الخمس الأخيرة.
ورغم أن هذا الكتاب "المتأخر" والذي سبقه أعمال عديدة للمؤلفة في مجالات الرواية والمسرح والقصة، ظهر فيها كلها وبتجليات متنوعة ومختلفة انشغالها بهذا الهم الإشكالي فإنه يكاد يكون هو الأصل النظري الذي منه انطلقت نورا أمين في معالجة وكتابة كل نصوصها السابقة. تقول "في الحقيقة، إن هذا العمل هو الأصل لكل ما كتبتُ، إنه يقبع في جذر هويتي كامرأة وككاتبة، فكل النصوص التي كتبتُها على مدار 21 عامًا تتجذر في الوقائع التي يستند إليها "تهجير المؤنث" إنها وقائع حياة طفلة تنمو في المجتمع المصري في السبعينيات من القرن العشرين لتدرك معنى الأنوثة في علاقتها بالانتهاك والتعدي، إنه الوعي الذي يتشكل بفعل عداءٍ متنامٍ تجاه الجسد الأنثوي واحتلاله للمجال العمومي، أو تلك الظاهرة التي نسميها بكل اعتيادية في مصر "التحرش الجنسي".
وتتابع أمين "إنها أيضًا وقائع اكتشاف الواقع والمجتمع والجسد، اكتشاف الكتابة والمسرح كفعل حي لتشكيل هوية ذاتية وللمقاومة والنمو ولتغيير الواقع. هذا كتاب يُكتب بداخلي منذ سن التاسعة. إنه يُكتَب بداخلي لأن وقائعه ووعيه هو رحلة حياتي؛ ولأن مصادره هي جسدي الشخصي وأجساد أمي وجاراتي وصديقاتي. إن ذلك الجسد الجمعي الأنثوي المصري هو جسد هذا الكتاب. وإنها المرة الأولى التي أكتب فيها هذا النوع من النصوص وأتمادى في التحليلات الثقافية والسياسية؛ لأنني أصبحت مستعدة تمامًا لإخراج التجربة من جسدي ونشرها على الجميع".
تعود أهمية نص نورا أمين ليس فقط للمجتمع المصري، بل للنقاش الدائر حول العالم بين الكتاب والمفكرين والنسويين. وكانت جمعية "pages 60" أعلنت عن أن دراسة "تهجير المؤنث" هو الإصدار الأول للمؤسسة من بين 5 نصوص سوف يتم نشرها على مدار عام كامل تعاونت خلالها جمعية "pages 60" مع منظمة MiCT غير الربحية ومع جاليري تاون هاوس بوسط البلد. " pages 60" هي جمعية تعاونية من الكتاب والفنانين والمفكرين تقع في برلين، تأسست حول فكرة تغيير الطريقة التي نرى بها العالم ونفكر فيه، من خلال تصور وكتابة ونشر نصوص طويلة معبرة وغير روائية.
نورا أمين، مؤلفة الكتاب، روائية وكاتبة قصصية ومترجمة وممثلة ومخرجة مسرح مصرية. ولدت في مدينة القاهرة وحصلت على ماجستير في الأدب المقارن بقسم اللغة الفرنسية جامعة القاهرة. من مؤلفاتها: الفضاء المسرحي في المجتمع الحديث (ترجمة). يانيس كوكس والسينوجرافيا والرفقة النبيلة (ترجمة). المسرح المعاصر: ثقافة وثقافة مضادة (ترجمة). السينوغرافيا (ترجمة مع آخرين). جمل اعتراضية (تأليف- مجموعة قصصية)، طرقات محدبة (تأليف- مجموعة قصصية)، مسارح آسيا (ترجمة).
منهج أوجستو بوال في المسرح (ترجمة)، قميص وردي فارغ (تأليف- رواية)، موجز تاريخ الاتحاد السوفييتي (ترجمة)، التنوع البشرى الخلاق (ترجمة مع آخرين)، موجز تاريخ السينما (ترجمة)، المستغرب في فن التمثيل (ترجمة).
مسرحيتان لمارجريت دوراس: العشيقة الإنجليزية ولاموزيكا الثانية (ترجمة)، حالات التعاطف (تأليف- مجموعة قصصية)، النصف الثالث (تأليف- مجموعة قصصية)، الوفاة الثانية لرجل الساعات (تأليف -رواية)، المسرح المواطن (ترجمة)، فن المطالبة بالحق (تأليف)، لم أخرج من ليلى (ترجمة)، المسرح والتغيير (تأليف)، قبل الموت (تأليف- رواية)، أحجار من الماء (ترجمة)، البنت الأخرى (ترجمة).
يذكر أن الكتاب صدر أمس الخميس، واحتفلت الكاتبة بتوقيعه ومناقشته وقراءة مقاطع منه، بحضور عدد كبير من المثقفين والكتاب المصريين والعرب، في مقر دار آفاق للنشر والتوزيع بوسط البلد (القاهرة)، منهم الكاتب والروائي إلياس فركوح، والناقد خيري دومة، والكاتبة ريمان جابر، والروائي وحيد الطويلة، والإعلامية منى سلمان، والروائي مكاوي سعيد، وآخرون.