انقسامات» بأقصى يمين فرنسا.. لوبان بين ضبط المسار وتأكيد الوجود
هل يعاني أقصى يمين فرنسا بالفعل من انقسامات داخلية أم أن ما يحدث ليس سوى مجرد إعادة تموضع تقوده زعيمته لضبط إيقاع حزبها وتأكيد مكانتها؟
استفهام طرحته صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية ضمن تقرير تحليلي تناول العلاقة داخل قيادة حزب «التجمع الوطني» (أقصى اليمين) وسط حديث عن توترات متزايدة بين الزعيمة التاريخية مارين لوبان وخليفتها السياسي جوردان بارديلا، في ظل تباينات متصاعدة حول الخطاب الاقتصادي والاستراتيجية الانتخابية.
«صاحبة القرار»
بحسب ما أوردته الصحيفة، فإن مارين لوبان قامت خلال الأسبوع الجاري بسلسلة تصريحات اعتُبرت بمثابة “تصحيح مسار” داخل الحزب، خاصة في ما يتعلق بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية.
ولفتت إلى أن الانتخابات الرئاسية المقبلة قد تكون مواجهة بين "الكتلة الوسطية" و"التجمع الوطني"، في إشارة إلى احتمال مواجهة مع رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب، معتبرة أن هذا السيناريو قد يكون أكثر فائدة انتخابياً من مواجهة مباشرة مع اليسار الراديكالي.
وهذه التصريحات، وفق تحليل الصحيفة، لم تكن مجرد تقييم انتخابي، بل رسالة داخلية واضحة مفادها أن لوبان ما زالت تمسك بخيوط القرار الاستراتيجي داخل الحزب.
بارديلا في الواجهة
في المقابل، ينظر إلى جوردان بارديلا، رئيس الحزب الحالي، باعتباره الوجه الإعلامي الصاعد لـ«التجمع الوطني»، الذي يسعى لتقديم خطاب أكثر انفتاحاً نسبياً، خاصة في الملفات الاقتصادية والاجتماعية.
وبحسب "ليبراسيون"، فإن هذا التوجه قد يصطدم بحدود واضحة يضعها جناح لوبان، الذي لا يزال يمسك بالخط السياسي العام للحزب، ما يجعل هامش الحركة أمام بارديلا محدوداً رغم حضوره الإعلامي المتزايد.
وتلفت الصحيفة إلى أن الصورة العامة التي يحاول الحزب تسويقها، أي عدم وجود اختلافات بين القيادتين، لا تعكس بالكامل الواقع الداخلي، حيث تتسع الفجوة تدريجياً حول أسلوب إدارة الخطاب السياسي.
خلافات في الكواليس
وفق تحليل "ليبراسيون"، فإن أبرز نقاط التباين بين الطرفين تتعلق بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية.
ففي الوقت الذي تميل فيه لوبان إلى الحفاظ على الخط الشعبوي التقليدي للحزب، مع تركيز قوي على الهوية والهجرة، يحاول بارديلا تقديم خطاب أكثر مرونة تجاه الطبقات الوسطى والشباب، مع اهتمام أكبر بالقضايا المعيشية.
لكن هذه المحاولات، بحسب الصحيفة، لا تصل إلى حد "القطيعة السياسية"، بل تبقى ضمن إطار محسوب لا يتجاوز الخطوط الحمراء التي ترسمها لوبان.
إعادة ضبط أم صراع خلافة مبكر؟
طرحت الصحيفة الفرنسية احتمالين رئيسيين لفهم ما يجري داخل الحزب، فالأول أن لوبان تقوم بعملية "إعادة ضبط" داخل الحزب بهدف توحيد الخطاب قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وإظهار أن القيادة ما زالت مركزية وواضحة.
أما الاحتمال الآخر فهو أن التوترات الحالية تعكس بداية صراع هادئ على خلافة سياسية مستقبلية، حيث يمثل بارديلا الجيل الجديد الذي قد يسعى تدريجياً لتوسيع نفوذه داخل الحزب.
بين الوحدة والخلافات
رغم الحديث المتكرر من داخل الحزب عن "انسجام كامل" بين القيادات، فإن التقرير يؤكد أن الواقع أكثر تعقيداً، وأن التباينات في الرؤية أصبحت أكثر وضوحاً، حتى وإن لم تصل إلى مستوى الانقسام العلني.
وتشير "ليبراسيون" إلى أن قيادة الحزب تدرك حساسية هذه المرحلة، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الأوروبية والمحلية، ما يدفعها إلى ضبط الخطاب الإعلامي وتجنب أي ظهور علني للخلافات.
وفي المحصلة، يعكس الوضع داخل التجمع الوطني مزيجاً من التعاون والتنافس بين مارين لوبان وجوردان بارديلا.
فبينما تحتفظ لوبان بالسلطة السياسية الفعلية وتوجهات الحزب الكبرى، يواصل بارديلا تعزيز حضوره كوجه انتخابي شاب، ما يخلق توازناً دقيقاً بين "الزعامة التاريخية" و"الواجهة الجديدة".