فن

مسلسل "بدون قيد".. "دراما ويب" في المبنى والمعنى

السبت 2018.11.24 01:35 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 261قراءة
  • 0 تعليق
مسلسل "بدون قيد"

مسلسل "بدون قيد"

أولئك الذين فهموا أن كتابة الـ"دارما ويب" هي تقطيع سيناريو الفيلم الروائي أو ضغط حلقات المسلسل التلفزيوني، قبيل إلقائه على "يوتيوب"، ربما عليهم العودة للتسمّر أمام شاشات كمبيوتراتهم لفهم آلية السرد في سلسلة الويب، وإدراك أنه تجربة مختلفة تماماً عن الكتابة للسينما والتلفزيون، ينبع اختلافها من وسيط المشاهدة, جهاز الكمبيوتر، الهاتف النقال، وغيرهم... وطبيعة المشاهدين المفترضين.


 كما أن عليهم تصحيح فكرتهم الوحيدة عن سلسلة الويب الدرامية، بأنها ليست مجرد حلقات تتراوح مدتها 3 دقائق أو 5 دقائق أو عدة دقائق أكثر من ذلك، وإنما هي قدرة المؤلف على رواية حكايته في أسرع وقت ممكن، شريطة أن يحافظ على تطور الشخصيات والحدث وأن يستحوذ على اهتمام الجمهور، ويبث مزيدا من الإثارة والتشويق في كل حلقة ينجزها، على نحو يدفع هذا الأخير إلى متابعة الحلقة التالية.

 واحدة من الأمثلة العملية عن سلسلة الويب، هو المسلسل التفاعلي السوري–اللبناني "بدون قيد" الذي يصلح، برأيي، لأن يكون نموذجاً لشكل الكتابة المطلوب للدراما ويب، ولعل من خلال تشريح آلية كتابته وإخراجه وطريقة عرضه، وطبيعته التفاعلية يمكن فهم السبب الذي جعل المسلسل ينال حتى الآن 5 جوائز، كان آخرها جائزة أفضل عمل ضمن مهرجانات نيوزيلاندا للمسلسلات الرقمية، إضافة إلى جائزة لمخرجه من دون أن يعني ذلك أن "بدون قيد" دراما لا تشوبها العيوب.


ويروي مسلسل "بدون قيد" 3 حكايات منفصلة، الأولى للعقيد وفيق الحكيم "رافي وهبة" الذي يتولى مهمة التحقيق ببطاقات الهوية المفقودة، ويرفض الاستجابة لضغوطات من جهات متنفذة للتلاعب ببعض الأوراق الرسمية، ولكنه سرعان ما يدفع ثمن موقفه الرافض هذا، حين يُقتل ولده الوحيد وتنتحر زوجته حزناً عليه، وتُكف يده عن مهامه الأمنية، لينتهي به الأمر إلى الفرار تحت جنح الظلام إلى لبنان.

أما الشخصية الثانية فهي المهندسة الزراعية ريم سلامة "عبير الحريري" التي تواجه مع ابنتها الوحيدة، تعصب والدها وكرهه للبنات، وطمع خالها بأرضها ورغبته ببيعها لتاجر الحرب، وسرعان ما تتأزم مشكلتها هذه مع تعرضها لسرقة محفظتها واضطرارها للسفر إلى دمشق لاستخراج بطاقة شخصية بدلاً عن تلك التي كانت في محفظتها المسروقة ومع موت والدها وتعثر حصولها على بطاقة شخصية بدل الضائعة ومحاولة خطف ابنتها تقرر ريم التسلل عبر الحدود إلى لبنان.


 الشخصية الثالثة هي لمدرس الرياضيات كريم خلقي "ينال منصور" الشاب المسالم الذي يتعرض للاعتقال بسبب علاقته مع أحد الناشطين، حيث يعذب ليدلي بمعلومات عن صديقه قبل أن يحاول أحد الضباط تجنيده كمخبر، ما دفعه للهرب، والعمل في الدفاع المدني تحت القصف.

وتجمع المصادفة، شكلياً، بين الشخصيات الثلاث في مركز الأمن، حيث يعمل العقيد وفيق وتأتي ريم لاستخراج بدل بطاقتها الشخصية المفقودة ويعتقل كريم، واللقاء العابر بين الشخصيات الثلاث سيعود ليتكرر في رحلة الهروب، حيث ستعود المصادفة لتجمع الثلاثة في محطة للوقود في الأراضي اللبنانية، ليقرر كريم وريم بعدها العودة إلى سوريا ومواجهة مصيرهما، فيما يواصل العقيد وفيق رحلته نحو المجهول.


يقدم المسلسل حكاية كل من شخصياته الثلاث بحبكة منفصلة، طبيعته التفاعلية تتيح للمتفرج أن يختار أي شخصية من الشخصيات الثلاث ليتابع حكايتها على حدة، من دون الحاجة لمعرفة حكايتي الشخصيتين الأخريين، ولا يتحكم المسلسل في مسار المشاهدة سوى في حلقته الافتتاحية والختامية، حين سنشاهد في الأولى كيف تجمع المصادفة بين 3 شخصيات في محطة وقود، ونكتشف من هول المفاجأة في عيونهم وردود أفعالهم أنهم يعرفون بعضهم بعضا.. من دون أن نعرف كيف ومتى.


وفي الحلقة الختامية سنعود لنستكمل وقائع لقاء الثلاثة في المحطة بعد أن نكون تعرفنا على الرابط بينهم، وبالتالي نعرف مآلات الشخصيات الثلاث وخياراتها، وما بين هاتين الحلقتين، سيترك صانعو المسلسل للمشاهد أن يختار بنفسه طريقة المشاهدة التي تناسبه واكتشاف طبيعة العلاقة بين الشخصيات الثلاث.


يعتمد "بدون قيد" على بعض تقاليد الكتابة التلفزيونية، ولكنه يقدم أسلوب سرد غير تقليدي لأحداث حلقاته، في قصة جيدة التصميم، عمادها الأساسي شخصيات يمتلك بناؤها القدرة على أسر المشاهد، شخصيات تتغير مصائرها وتتطور من حلقة إلى أخرى، ولا تغادر الوقت المحدد للحلقة بدقائق قليلة، قبل أن تبث الشوق في المشاهد نفسها لمعرفة ماذا بعد، وتدفعه لمتابعة مزيد من الحلقات، وعلى الرغم من أن المسلسل لا يترك ذروة لأحداثه في جميع حلقاته، إلا أن يبقي دائماً في كل حلقة ما يجذب الجمهور إلى الحلقة التالية.


يبدي "بدون قيد" فهماً عالياً لأسلوب صناعة الدراما ويب في المبنى والمعنى، إذ يتجلى فيه معنى الحرية التي تمنحها سلسلة الويب، لصناعها ومشاهديها؛ الحرية في المحتوى، وفي أسلوب السرد، وفي طريقة المشاهدة.


ويظهر في المسلسل بوضوح كيف يمكن خدمة جميع عناصر القصة في حلقة من سلسلة الويب ضمن الوقت القصير المتاح، على نحو يرفع احتمال مواصلة مشاهدتها على شاشات الويب، وما معنى أن تكون القصة التلفزيونية قصيرة بمعان كبيرة، كما يؤكد أن سلسة الويب، ليست مجرد حلقات قصيرة لمسلسل تلفزيوني، كما أنها ليست فيلماً سينمائياً تم تقطيعه إلى أجزاء صغيرة.


يتألف المسلسل من 29 حلقة لا تتجاوز مدة أطولها 5 دقائق، وهو فكرة تأليف وتصميم ربيع سويدان ومروان حرب، إخراج أمين درة، قصة رافي وهبي وباسم بريش، سيناريو وحوار باسم بريش.

تعليقات