مصر تكسر قيود «لؤلؤة المتوسط».. الساحل الشمالي 365 يوما
تسعى الحكومة المصرية إلى تعظيم العوائد السياحية والاستثمارية لمنطقة الساحل الشمالي الغربي، عبر خطة طموحة تستهدف زيادة الطاقة الفندقية بنحو 20 إلى 30 ألف غرفة جديدة بحلول عام 2030.
الخطوة تهدف إلى تحويل المنطقة من وجهة موسمية إلى مركز سياحي عالمي يعمل على مدار العام.
وتأتي هذه التوجهات في ظل الانتعاش الذي يشهده قطاع السياحة المصري، ضمن استراتيجية أشمل لتعظيم الاستفادة من الامتداد الجغرافي للساحل الشمالي، الذي يمتد لمسافة تقارب 500 كيلومتر على ساحل البحر المتوسط، بما يتيح فرصًا واسعة للتنمية الفندقية والسياحية المتكاملة.
وتشير البيانات الحالية إلى أن الساحل الشمالي يضم نحو 5 آلاف غرفة وشقة فندقية قيد التشغيل والتنفيذ، موزعة على 42 فندقًا، تستحوذ فنادق الخمس نجوم على النصيب الأكبر منها بنسبة تصل إلى 64% من إجمالي الطاقة الفندقية، وهو ما يعكس التوجه نحو استقطاب السياحة مرتفعة الإنفاق.
ومن المنتظر أن يشهد صيف عام 2026 دفعة أولى في الطاقة الاستيعابية، مع إضافة ما بين 7 و10 آلاف غرفة جديدة، نتيجة مشروعات ينفذها مطورون مصريون بالشراكة مع مستثمرين أجانب، إلى جانب مشروعات استراتيجية كبرى، أبرزها مشروع «علم الروم» الذي تنفذه شركة الديار القطرية، والذي يُنتظر أن يسهم في تعزيز الطاقة الفندقية للمنطقة خلال السنوات الأربع المقبلة.
وعلى صعيد المؤشرات الكلية، يواصل قطاع السياحة المصري تسجيل معدلات تعافٍ غير مسبوقة، إذ استقبلت مصر نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بنسبة نمو بلغت 21%، ما دفع الإيرادات السياحية إلى الاقتراب من 24 مليار دولار.
ويُرجع خبراء هذا الأداء القوي إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها الاستقرار الأمني، وتنافسية الأسعار، إلى جانب الزخم السياحي الذي أحدثه افتتاح المتحف المصري الكبير، وهو ما عزز من جاذبية السوق المصرية أمام الاستثمارات المحلية والأجنبية.
وفي إطار دعم التوسع الفندقي، أطلقت الدولة مبادرة تمويلية بقيمة 50 مليار جنيه لدعم الشركات العاملة في القطاع السياحي، بعائد متناقص يبلغ 12%، شريطة التزام الشركات بتوريد 40% من إيراداتها بالعملة الأجنبية إلى الجهاز المصرفي.
وشهدت المبادرة إقبالًا واسعًا، حيث تجاوزت طلبات التمويل المقدمة 200 مليار جنيه، أي ما يعادل أربعة أضعاف المخصصات الأصلية، ما يعكس ثقة المستثمرين في مستقبل القطاع، ويمهد لتسريع وتيرة الإنشاءات في المناطق التنموية الرئيسية بالساحل الشمالي، مثل رأس الحكمة، وسيدي حنيش، والعلمين الجديدة.
ويؤكد خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، لـ«العين الإخبارية»، أن أثر الاستثمارات الكبرى في منطقة الساحل الشمالي يتجاوز بكثير قيمتها المالية المباشرة، إذ ينعكس إيجابًا على مؤشرات الاقتصاد الكلي، وفي مقدمتها تعزيز الاحتياطي النقدي الأجنبي الذي تجاوز حاجز 50 مليار دولار، إلى جانب قدرتها على توليد مئات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، قد تصل إلى نحو نصف مليون وظيفة جديدة، فضلًا عن مساهمة القطاع السياحي بما يتراوح بين 8 و9% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويشهد المشهد الاستثماري السياحي مشاركة فاعلة من شركات إقليمية كبرى، كان أبرزها توقيع شركة «الديار» القطرية اتفاقية استثمارية بقيمة 29.7 مليار دولار لتطوير مشروع «علم الروم» بمحافظة مطروح، في واحدة من أضخم الصفقات العقارية والسياحية على ساحل البحر المتوسط.
كما شهد شهر سبتمبر/أيلول الماضي توقيع عقود مشروع «مراسي البحر الأحمر» باستثمارات تصل إلى 18.5 مليار دولار، بالشراكة بين «إعمار مصر» و«سيتي ستارز» السعودية، في إطار توسع نوعي يستهدف جذب شرائح جديدة من السياحة مرتفعة الإنفاق.
ويبرز كذلك مشروع «رأس الحكمة»، الذي تستثمر فيه الإمارات نحو 35 مليار دولار، لتطوير واحدة من أكبر الوجهات السياحية المتكاملة على البحر المتوسط، بما يعكس ثقة متزايدة في السوق السياحي المصري على المدى الطويل.
وتندرج هذه المشروعات ضمن رؤية مصر 2030، التي تستهدف تطوير 46 منطقة سياحية، بالتوازي مع تنفيذ مشروعات كبرى لتطوير المواقع الأثرية، وفي مقدمتها مشروع تطوير منطقة الأهرامات وافتتاح المتحف المصري الكبير، بما يعزز التكامل بين السياحة الشاطئية والسياحة الثقافية.
من جانبه، يرى عاطف عبداللطيف، نائب رئيس جمعية مستثمري مرسى علم، أن الاستثمارات السياحية الحالية تمثل فرصة تاريخية لاستعادة مصر مكانتها كإحدى أبرز الوجهات السياحية العالمية، مشيرًا إلى أن الوصول إلى الصدارة الدولية يتطلب رؤية شاملة تقوم على الابتكار والاستدامة.
ويؤكد لـ«العين الإخبارية» أن النجاح في هذا المسار يستلزم تخطيطًا استراتيجيًا دقيقًا، وشراكات دولية فاعلة، وإدارة كفؤة للموارد، مع الحفاظ على الهوية الثقافية والتراث الطبيعي، باعتبارهما عنصرين أساسيين في جاذبية المقصد السياحي المصري.
في المقابل، يحذر الخبير السياحي عمرو سمبل من أن وتيرة النمو السريعة تستدعي إدارة ذكية وواعية، لافتًا إلى تحديات تتعلق بالبنية التحتية، وجودة الخدمات، والاستدامة البيئية، فضلًا عن تطوير وتأهيل الكوادر البشرية.
ويشير لـ"العين الإخبارية" إلى أن التحول نحو السياحة الذكية لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة تنافسية، تتطلب الاعتماد على حلول رقمية متطورة، وأنظمة حجز موحدة، وتجارب سياحية متكاملة تلبي تطلعات السائح العالمي.