ربع برلمان مصر للنساء.. مكاسب دستورية تترجم إلى حضور تشريعي فعّال
لم يعد حضور المرأة في البرلمان المصري مجرد استجابة لنص دستوري أو انعكاس لتوازنات انتخابية عابرة، بل بات مؤشرًا على تحوّل أعمق في بنية الحياة التشريعية ودور التمثيل السياسي داخل الدولة.
فمع انطلاق الفصل التشريعي الثالث، يبرز الحضور النسائي بوصفه عنصرًا فاعلًا في إعادة تشكيل المشهد البرلماني، ليس من حيث العدد فقط، بل من زاوية التأثير المنتظر في التشريع والرقابة وصناعة السياسات العامة، وتُوّج باعتلاء ثلاث نساء منصة البرلمان لأول مرة في تاريخ الحياة النيابية المصرية.
وقبيل انطلاق الجلسة الإجرائية الأولى بساعات، أصدر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قرارًا بتعيين 14 سيدة في مجلس النواب، جميعهن صاحبات خبرات متنوعة في مجالات قانونية وأكاديمية وطبية واقتصادية، في خطوة تؤكد استمرار الدولة في دعم المشاركة السياسية للمرأة وتعزيز حضورها في صناعة القرار، وهو ما أسهم في دعم وتعزيز الحضور النسائي داخل برلمان 2026، إذ ارتفع تمثيل النساء إلى 160 نائبة، بنسبة تقترب من 27% من إجمالي أعضاء المجلس البالغ عددهم 596 نائبًا.
- من كرسي القضاء لمنصة البرلمان.. هشام بدوي رئيسا لمجلس النواب المصري
- لأول مرة في التاريخ.. 3 نساء على منصة البرلمان المصري
وترأست ثلاث نائبات منصة الجلسة الافتتاحية للجلسة العامة الأولى، في مشهد غير مسبوق في تاريخ الحياة النيابية، حيث ترأست النائبة عبلة الهواري، أكبر الأعضاء سنًا، الجلسة وفقًا للائحة الداخلية لمجلس النواب، وعاونها في إدارة الجلسة أصغر عضوين بالمجلس: سامية الحديدي (25 عامًا) وسجى هندي (25 عامًا).
انعكاس لمكانة المرأة
وفي تعقيبها على تأثير الحضور النسائي تحت قبة مجلس النواب، أكدت النائبة عبلة الهواري لـ«العين الإخبارية» أن هذا الحضور يعكس مكانة المرأة، التي ستتضح عند مناقشة الأجندة التشريعية، من خلال الدفاع عن حقوق المرأة وتمكينها سياسيًا واقتصاديًا، والعمل على حمايتها من العنف بكل أشكاله.
وأشارت إلى أن وجود المرأة في 25 لجنة من اللجان النوعية بمجلس النواب يعني أن لها قرارًا وصوتًا مسموعًا داخل كل لجنة.
وفي تقدير النائبة الهواري، سيكون للمرأة أداء مختلف في الدورة الجديدة للمجلس، كاشفة عن مساعٍ جارية لتشكيل كتلة نسائية مؤثرة تحت قبة البرلمان.
كما كشفت عن عزمها التقدم خلال الفترة المقبلة بمشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية، لأهمية هذا القانون للأسرة والمجتمع.
وعن قيادتها للجلسة الافتتاحية، أعربت الهواري عن شعورها بالفخر والسعادة بهذا التكليف، قائلة: «رئاسة الجلسة تشريف لي ولكل امرأة مصرية».
وبوجه عام، رأت الهواري أن المرأة تعيش حاليًا عصرها الذهبي، بعد حصولها على مكاسب وحقوق متعددة، بدءًا من دعم الرئيس السيسي، مرورًا بالمواد الدستورية الضامنة لحقوق المرأة، وصولًا إلى القوانين المنظمة لمباشرة الحقوق السياسية ومجلسي النواب والشيوخ واللائحة الداخلية للمجلس.
وينص الدستور المصري على تخصيص نسبة لا تقل عن 25% من إجمالي مقاعد مجلس النواب للمرأة، في إطار دعم مشاركتها السياسية وتعزيز تمثيلها داخل السلطة التشريعية.
قوة تشريعية حقيقة
من جهتها، اعتبرت النائبة نشوى سليمان عقل، والتي جرى تعيينها بقرار من الرئيس السيسي أن نسبة تمثيل المرأة في المجلس، ليست شكلية أو مجرد ديكور، بل ستكون قوة تشريعية حقيقية، خاصة وأن التشكيل يضم كوادر ذات خبرات وتخصصات متعددة.
وأعربت النائبة عقل لـ«العين الإخبارية»، عن تفاؤلها بأداء المرأة على الصعيد التشريعي والرقابي، في ظل التنوع الكبير في التخصصات والخبرات الأكاديمية والمهنية المتنوعة النائبات، وهو ما سينعكس ذلك إيجابا على مناقشة قضايا التنمية وخدمة المواطن المصري دون تمييز على أساس النوع.
وشددت على أن مشاركة المرأة في الجانب التشريعي، لن تقتصر على قضايا المرأة فقط، بل ستمتد إلى مختلف الملفات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، بما يخدم المواطن المصري.
وأوضحت أن: هناك قضايا وتشريعات، يمكن أن تلعب فيها المرأة دورا أكثر فاعلية، مثل قضايا الأحوال الشخصية، والتمكين الاجتماعي والاقتصادي، والمرأة المعيلة، والمشروعات الصغيرة، بما يحقق التوازن والتكافؤ دون الإضرار بأي طرف.
واعتبرت أن عملية اختيار النساء للجان الـ 25 خلال الجلسة الإجرائية الإثنين، شهدت حرصا كبيرا من النائبات على الاستفادة من خبراتهم، بما ينعكس إيجابيا على أدائهن داخل البرلمان.
ومن واقع شكل التمثيل الحالي على صعيد الكم، وتنوع الخبرات، توقعت الدكتورة سهام جبريل، عضو المجلس القومي للمرأة، وعضو مجلس النواب السابق، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، أن يضيف هذا التمثيل، "قوة تشريعية حقيقية قابلة للتأثير".
وقالت إن «التمثيل الحالي يتيح للمرأة الانتقال من مرحلة التمثيل العددي، إلى التأثير الفعلي في مسار التشريع والرقابة، حيث إن العدد (160 مقعدا) يسمح بوجود صوت مؤثر للمرأة، داخل اللجان النوعية المهمة مثل لجان الشئون التشريعية، والخطة والموازنة، والتضامن الاجتماعي، والصحة، والتعليم».
كما يمنح إجمالي عدد النائبات، والحديث لجبريل، قدرة أكبر على الدفع بمشروعات قوانين، أو تعديلات تشريعية بشكل جماعي وليس فرديًا، بحسب سهام جبريل، التي نبهت أن: "قضايا المرأة والأسرة ستكون جزءًا من الأجندة الوطنية العامة وليس ملفًا فئويًا، إضافة إلى تعزيز الدور الرقابي من خلال أدوات الاستجواب وطلبات الإحاطة المرتبطة بجودة الخدمات، والحماية الاجتماعية، والعمل، والتعليم والصحة، وخدمات البنية التحتية داخل المحافظات".
وقالت "على الأرجح سينعكس التمثيل الكمي على تحول نوعي في أولويات التشريع، من خلال زيادة التركيز على القوانين المرتبطة بالعدالة الاجتماعية، وحماية الفئات الأكثر احتياجًا، وتمكين المرأة اقتصاديًا".
وأضافت أنه "سيتم الدفع نحو سياسات تشريعية أكثر توازنًا بين متطلبات التنمية الاقتصادية والبعد الاجتماعي، حيث أثبتت التجربة أن البرلمانيات أكثر ميلًا لتبنيه".
وتابعت قائلة إنه "إذا ما أُحسن استثمار الكتلة النسائية داخل البرلمان، فإنها ستكون أحد أهم روافع تطوير التشريع وبناء سياسات أكثر عدالة واستجابة لاحتياجات المجتمع المصري ككل ودفعا بعجلة التنمية لآفاق المستقبل".
وبشأن الدلالة التي اكتسبها تصدّر المرأة منصة مجلس النواب في الجلسة الإجرائية، قالت جبريل، إن ذلك يعكس نضج التجربة الديمقراطية المصرية، وانتقال المرأة من مقاعد العضوية إلى مواقع إدارة الجلسات وصناعة القرار داخل المؤسسة التشريعية.
وأضافت أن هناك رسالة واضحة بأن الدولة المصرية تجاوزت منطق التمكين الشكلي إلى التمكين المؤسسي القائم على الكفاءة والثقة، إضافة إلى التأثير المعنوي لدى الأجيال الشابة، حيث يعيد تشكيل الصورة الذهنية عن دور المرأة في المجال العام والسياسي.
من جهتها، وصفت المستشارة أمل عمار رئيسة المجلس القومي للمرأة، في بيان تلقت "العين الإخبارية" نسخة منه، الحدث بأنه "علامة فارقة في تاريخ الحياة النيابية المصرية، ويبرهن على أن المرأة أصبحت شريكًا أساسيًا في صنع القرار السياسي والتشريعي".