عالم عربي يكشف لـ«العين الإخبارية» كيف يهزم السرطان دون إيذاء الخلايا (حوار)
في وقت لا تزال فيه سرطانات الدم المزمنة تمثل تحديا علاجيا معقدا، يأتي إنجاز علمي جديد ليعيد رسم ملامح الأمل من داخل الخلية نفسها.
ويشير اكتشاف نُشر في دورية "نيتشر" المرموقة إلى طريقة ذكية وآمنة لاستهداف الخلايا السرطانية دون إيذاء الخلايا السليمة، فاتحًا الباب أمام جيل جديد من العلاجات الدقيقة.
في هذا الحوار، يحدثنا د. الحسن محمد مصطفى، الباحث بمعهد علم السموم بالمركز الطبي الجامعي بجامعة يوهانس غوتنبرغ بألمانيا، والباحث الرئيسي في هذا الاكتشاف، عن كواليس هذا الاكتشاف ، وكيف يمكن لآلية جزيئية واحدة أن تغير مستقبل علاج بعض سرطانات الدم المزمنة وتمنح المرضى أملاً حقيقيا في حياة أفضل.

في البداية، ما أبرز ما توصلت إليه دراستكم الأخيرة التي نُشرت في دورية "نيتشر"؟
توصلنا إلى كشف آلية جزيئية جديدة يمكن أن تساعد في علاج بعض سرطانات الدم المزمنة، مثل كثرة الحُمر الحقيقية والتليف النقوي، وذلك من خلال استهداف الخلايا السرطانية بدقة عالية دون الإضرار بالخلايا السليمة.
ما هذه الأمراض، ولماذا تُعد خطيرة؟
كثرة الحُمر الحقيقية هي مرض نادر ينتج فيه نخاع العظم أعدادًا كبيرة جدًا من كريات الدم الحمراء، ما يجعل الدم أكثر كثافة ويزيد خطر الجلطات والسكتات الدماغية والنوبات القلبية.
أما التليف النقوي، فهو مرض مزمن آخر يقوم فيه نخاع العظم بإنتاج ألياف ليفية غير طبيعية تعيق تكوين خلايا الدم، ما يؤدي إلى فقر الدم ونقص خلايا المناعة أو الصفائح الدموية، إضافة إلى تضخم الطحال والكبد.

ما العامل الجيني المشترك بين هذين المرضين؟
ركزت دراستنا على طفرة جينية تُعرف باسم "JAK2-V617F"، وهي طفرة تجعل الخلايا السرطانية تنقسم بسرعة كبيرة، كما تُحدث التهابات مزمنة تزيد من شدة المرض ومضاعفاته.
كيف يمكن تبسيط فكرة تأثير هذه الطفرة ؟
يمكن تشبيه الخلايا السرطانية بمصانع تعمل بلا توقف بسبب خلل في الآلة الرئيسية، وهذه الآلة هي طفرة " JAK2-V617F " التي تجعل المصنع ينتج مواد ضارة باستمرار، ما يسبب مشاكل كبيرة للجسم.
وما الاكتشاف الجديد الذي توصلتم إليه في هذا السياق؟
اكتشفنا أن هناك عاملًا طبيعيًا داخل الخلية يُسمى إنزيم " SIAH2"، لديه القدرة على تعطيل هذه الطفرة عبر تكسير البروتين الناتج عنها، لكن المشكلة أن هذا الإنزيم عادة لا يستطيع الوصول إلى هدفه داخل الخلية السرطانية.

كيف تمكنتم من تجاوز هذه العقبة؟
هنا يأتي دور مثبطات إنزيمات نزع الأسيتيل من الهيستونات، أو ما يُعرف بـ " HDAC inhibitors " فهذه المثبطات تعمل كـ"مفتاح" يسمح لإنزيم " SIAH2 " بالوصول إلى الطفرة وتدمير البروتين المسبب للسرطان.
وما النتيجة النهائية لهذا التفاعل داخل الخلية؟
النتيجة هي توقف الخلايا السرطانية عن النمو ثم موتها، بينما تبقى الخلايا السليمة دون أي ضرر يُذكر، وهو ما يجعل هذا النهج العلاجي أكثر أمانًا ودقة مقارنة بالعلاجات التقليدية.
ما أهمية هذا الاكتشاف لمرضى سرطانات الدم المزمنة؟
هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام تطوير علاجات أكثر تخصصًا، تقلل من الآثار الجانبية والمضاعفات، وتُسهم في تحسين جودة حياة المرضى على المدى الطويل.

كلمة أخيرة تود توجيهها؟
أعتقد أن هذه النتائج تمثل خطوة مهمة نحو فهم أعمق لكيفية استهداف الخلايا السرطانية بطرق ذكية وفعالة، وتمنح أملاً حقيقيًا في تطوير أدوية مستقبلية أكثر أمانًا وأقل آثارًا جانبية لعلاج سرطانات الدم المزمنة.