«إل نينيو» تطرق أبواب العالم.. جفاف وفيضانات وحرائق وأزمات اقتصادية
مع تزايد التحذيرات الدولية من عودة ظاهرة "إل نينيو" خلال الفترة المقبلة، تتجه الأنظار إلى التداعيات المحتملة لهذه الظاهرة المناخية على الأمن الغذائي والطاقة والاقتصاد العالمي.
بين موجات الجفاف والفيضانات وارتفاع درجات الحرارة، تتزايد المخاوف من اضطرابات قد تطول إنتاج المحاصيل الزراعية وأسعار الغذاء وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي هذا السياق، يوضح رئيس حزب البيئة العالمي، الدكتور دوميط كامل، أبعاد الظاهرة وتأثيراتها المتوقعة خلال السنوات المقبلة.
ويقول الدكتور دوميط كامل، إن العالم يشهد هذا العام تأثيرات متزايدة لظاهرة "إل نينيو"، التي تتكرر عادة كل 3 إلى 5 سنوات، إلا أن حدتها أصبحت أكبر من السابق نتيجة التغيرات المناخية المتسارعة والارتفاع المستمر في درجات الحرارة العالمية.
وأوضح الدكتور دوميط في حديث لـ"العين الإخبارية" أن ظاهرة "إل نينيو" الحالية تتأثر بشكل مباشر بموجات الاحترار العالمي وارتفاع حرارة المحيطات، وهو ما يجعلها أكثر خطورة وتأثيرًا مقارنة بالدورات السابقة.
وتوقع أن تبلغ ذروتها خلال الفترة الممتدة من بداية فصل الصيف وحتى نهاية العام الجاري، مضيفا أن شبكات الرصد المناخي العالمية، المدعومة بالأقمار الصناعية وآلاف محطات الأرصاد الجوية المنتشرة حول العالم، ترصد بشكل دقيق التطورات المناخية والحرارية، وهو ما يسمح بتوقع نطاق واسع من الظواهر الجوية المتطرفة خلال الأشهر المقبلة.
زيادة موجات الجفاف
وأشار إلى أن العالم قد يشهد خلال هذه الفترة زيادة ملحوظة في موجات الجفاف الشديد في بعض المناطق، مقابل ارتفاع احتمالات الفيضانات والأمطار الغزيرة والسيول الجارفة في مناطق أخرى، لافتا إلى أن العديد من المؤسسات الدولية والأممية أطلقت بالفعل تحذيرات مبكرة بشأن المخاطر المناخية المتوقعة.
وأكد أن من بين أبرز التداعيات المحتملة لظاهرة "إل نينيو" هذا العام، اندلاع حرائق واسعة النطاق في عدد من المناطق حول العالم وفي توقيتات مبكرة عن المعتاد، إلى جانب تعرض مساحات زراعية واسعة لأضرار نتيجة الفيضانات أو الجفاف، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي العالمي.
وشدد على ضرورة أن تضع الدول العربية خططًا علمية واستراتيجيات واضحة للتعامل مع تداعيات التغيرات المناخية والظواهر المناخية المتطرفة.
منظومات إنذار مبكر
ودعا إلى تعزيز التعاون العربي في مجالات الدراسات والأبحاث البيئية وبناء منظومات إنذار مبكر قادرة على الحد من الخسائر المتوقعة.
وأوضح أن تأثيرات "إل نينيو" لن تقتصر على الجوانب البيئية فقط، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الغذاء، متوقعًا ضغوطًا متزايدة على أسعار السلع الغذائية الأساسية، وفي مقدمتها القمح والحبوب والخبز، خلال السنوات المقبلة إذا استمرت وتيرة التغيرات المناخية الحالية.
بدوره يؤكد مدير الحد من الكوارث الطبيعية وتغير المناخ باليونسكو سابقا، دكتور بدوي رهبان، على أن تلك الظاهرة تتسبب هذه الاختلالات المناخية في تأثيرات كبيرة على قطاع الزراعة، مع تراجع إنتاجية المحاصيل الأساسية مثل القمح والذرة والأرز، الأمر الذي ينعكس بدوره على أسعار الغذاء عالميًا، كما تمتد التأثيرات لتشمل قطاعات الطاقة والنقل، إلى جانب تعطل سلاسل التوريد.
ويضيف رهبان في حديث لـ"العين الإخبارية" أن التقدم التكنولوجي يساعد في مراقبة هذه الظاهرة التي تحدث خلال سنتين إلى 7 سنوات، مشيرا إلى أن منذ شهر حذرت منظمة الأرصاد الجوية بالأمم المتحدة من فصل جديد من هذه الظاهرة الشهر المقبل "تموز -يوليو".
تأثير اقتصادي
وشدد على أن شدتها سوف تكون أكثر من المتوسط مما يكون لها تبعات قوية على المجال الاقتصادي والزراعي وسوف تتسبب في سيول وفيضانات وحرائق للغابات في أستراليا وأمريكا وعلى الغذاء العالمي والمحيطات والكائنات البحرية، لافتا التأثير على المحيط الهادي لها تبعات تعود على كافة البحار وتطرف المناخ.
ومن جانبه، أكد مدير مركز البحر الأبيض المتوسط للدراسات الجيوسياسية في الطاقة والغذاء والمناخ (GREENGEOMED) بفرنسا، الدكتور عادل سالمي، أن ظاهرة "إل نينيو" لم تعد تُقرأ من منظور مناخي أو بيئي بحت، بل أصبحت جزءًا من منظومة المخاطر الاستراتيجية التي تؤثر بشكل مباشر في الأمن الغذائي والمائي، واستقرار الأسواق العالمية، وسلاسل الإمداد، والسياسات الاقتصادية للدول.
وأوضح سالمي في حديث لـ"العين الإخبارية" أن ظاهرة "إل نينيو" تُعد أحد المكونات الرئيسية لنظام التذبذب الجنوبي في المحيط الهادئ، وهي ظاهرة مناخية طبيعية تنتج عن تفاعلات معقدة بين المحيط والغلاف الجوي، وتتكرر بصورة غير منتظمة كل سنتين إلى 7 سنوات تقريبًا، ما يجعل التنبؤ بها مرتبطًا بالمؤشرات المناخية المتغيرة وليس بمواعيد ثابتة.
مؤشرات مناخية مهمة
وأشار إلى أن الاهتمام المتزايد بالظاهرة خلال الفترة الحالية يعود إلى وجود مؤشرات مناخية مهمة ترصدها المؤسسات العلمية الدولية، من بينها ارتفاع المخزون الحراري تحت سطح المحيط الهادئ، والتغيرات المحتملة في أنماط الرياح التجارية، إلى جانب استمرار الاتجاه العالمي نحو ارتفاع حرارة المحيطات والغلاف الجوي نتيجة التغير المناخي.
وأضاف أن هذه المؤشرات لا تعني بالضرورة حدوث ظاهرة قوية بشكل حتمي، لكنها ترفع احتمالات تهيئة الظروف المناخية المناسبة لعودة "إل نينيو" أو ظهور أنماط مناخية مشابهة خلال السنوات المقبلة.
وأكد أن أهمية هذه المؤشرات لا تقتصر على الجانب العلمي، بل تكمن في قدرتها على منح الحكومات وصناع القرار نافذة زمنية مبكرة للاستعداد وإدارة المخاطر قبل تحولها إلى أزمات اقتصادية واجتماعية واسعة النطاق.
وفيما يتعلق بالأمن الغذائي، أشار إلى أن الظاهرة قد تتسبب في موجات جفاف بمناطق زراعية رئيسية مثل أستراليا وأجزاء من أفريقيا وجنوب شرق آسيا، بينما تؤدي إلى أمطار وفيضانات استثنائية في مناطق أخرى، خاصة بأمريكا الجنوبية، ما ينعكس على إنتاج محاصيل استراتيجية مثل القمح والأرز والذرة والسكر والزيوت النباتية والبن واللحوم، ويؤدي إلى اضطرابات في المعروض العالمي وارتفاع الأسعار.
وأضاف أن الدول المستوردة للغذاء ستكون الأكثر تأثرًا بهذه التطورات، ما يستدعي تعزيز الاحتياطيات الاستراتيجية وتنويع مصادر الاستيراد وتطوير أنظمة الإنذار المبكر للمخاطر الزراعية.
ارتفاع الطلب على الكهرباء
وفي قطاع الطاقة، أوضح سالمي أن موجات الحر الشديدة ترفع الطلب على الكهرباء وتزيد الضغوط على شبكات الإمداد، في حين يتراجع إنتاج الطاقة الكهرومائية في المناطق التي تعاني من الجفاف، كما تتعرض البنية التحتية وقطاعات النقل والخدمات اللوجستية لمخاطر متزايدة نتيجة الفيضانات والعواصف والظواهر الجوية المتطرفة.
وأشار إلى أن تزامن ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة يؤدي إلى ضغوط تضخمية واسعة النطاق، خاصة في الاقتصادات الأكثر هشاشة، ما يرفع تكاليف المعيشة ويزيد الأعباء المالية على الحكومات، وقد يدفع البنوك المركزية إلى تشديد السياسات النقدية، الأمر الذي ينعكس على معدلات الاستثمار والنمو الاقتصادي.
3 سيناريوهات محتملة
وحول السيناريوهات المستقبلية، أوضح سالمي أن هناك ثلاثة مسارات محتملة، أولها ظهور ظاهرة "إل نينيو" بصورة ضعيفة أو متوسطة مع تأثيرات اقتصادية محدودة.
وثانيها تطور الظاهرة بشكل قوي وعابر للقارات بما يضغط على أسواق الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
أما السيناريو الثالث والأخطر فيتمثل في تزامن "إل نينيو" مع تسارع وتيرة التغير المناخي، بما يؤدي إلى زيادة حدة الظواهر الجوية المتطرفة واتساع نطاق المخاطر المرتبطة بالمياه والغذاء والطاقة والهجرة المناخية وحرائق الغابات.
وشدد على أن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في التنبؤ بحدوث الظواهر المناخية فقط، وإنما في مدى قدرة الدول على تحويل المعطيات العلمية والإنذارات المبكرة إلى سياسات استباقية فعالة، تعزز من المرونة المؤسسية وتدعم القدرة على إدارة المخاطر.
وأكد أن المنطقة العربية تعد من أكثر المناطق التي تحتاج إلى هذا النوع من الاستعداد، في ظل ما تواجهه من تحديات تتعلق بندرة المياه والاعتماد المرتفع على استيراد الغذاء والتعرض المتزايد للمخاطر المناخية.
وشدد على أن الاستثمار في الأمن الغذائي وإدارة الموارد المائية ونظم الإنذار المبكر وسياسات التكيف المناخي أصبح ضرورة استراتيجية للأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي خلال العقود المقبلة.