التحليلات

الإمارات تستعيد سوريا لمحيطها العربي

الخميس 2018.12.27 08:05 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 3273قراءة
  • 0 تعليق
الإمارات تعيد سوريا إلى محيطها العربي

الإمارات تعيد سوريا إلى محيطها العربي

تسعى دول عربية وإقليمية لاستعادة علاقتها الدبلوماسية، وفتح سفارتها في دمشق، بعد قطيعة على خلفية اندلاع الاحتجاجات في سوريا عام 2011، وعلى خلفية التحسن والاستقرار الملحوظ الذي تشهده الكثير من المناطق السورية، تشهد الساحة السورية تحسنا واستقرارا ملحوظا في الكثير المدن والمحافظات.

غير أن التوجه الإماراتي نحو استعادة العلاقة الدبلوماسية مع دمشق بعد قطيعة منذ عام 2012، يظل خطوة مهمة، في سياق الدبلوماسية الهادئة والنشطة في آن معاً، التي تتبناها دولة الإمارات نحو إنهاء الصراعات في المنطقة، واستعادة اللُّحمة العربية في مواجهة أطماع القوى الإقليمية، وفي الصدارة منها طهران وأنقرة اللتان تستهدفان تقسيم المنطقة على مذابح الطائفية والنفوذ.

والواقع أن الانخراط الإماراتي في الأزمة السورية لم يختلف عن توجهاتها الثابتة بشأن صراعات الإقليم، فقد تعاملت القيادة الإماراتية مع صراعات الإقليم برؤى تتسم بالثبات، وسعت إلى تكريس حالة الاستقرار، وإنتاج مزيد من الثقة السياسية بين أطراف الأزمة في دول الصراعات، وذلك خلافاً لمواقف قوى إقليمية تتعامل مع أحداث المنطقة بحثاً عن مصالح مؤدلجة وآنية على حساب مستقبل مفهوم الدولة.


العنوان الأبرز في السياسة الخارجية الإماراتية تجاه الأزمة السورية، كان التوازن والاستقرار، فمنذ بداية الاحتجاجات في سوريا، تحفظت الإمارات بشكل عام إزاء التدخلات الخارجية في سوريا

الدور الإماراتي الثابت من الأزمة في سوريا، كشف عن طبيعة الدور الإيجابي للتدخل الإماراتي، الذي تطور منذ بداية الأزمة من العمل الدبلوماسي لإنهاء الصراع، ومروراً بالعمل الإنساني والخيري والاستثماري. كما حافظ البلدان طوال فترة القطيعة الدبلوماسية على مستوى معين من الدفء في علاقتهما عبر القنوات الأمنية، كما واصل القسم القنصلي بالسفارة السورية في أبوظبي تقديم خدماته للجالية السورية بالإمارات.

وفي الشهور التي خلت، في إطار دعم حل الأزمة في دمشق، وإعادة صياغة الصورة الذهنية عن سوريا، استأنفت الإمارات تسيير الخط الجوي بين محافظة اللاذقية السورية وإمارة الشارقة بعد توقف دام سنوات.

في سياق متصل، عززت الإمارات من جهدها الدبلوماسي؛ فقبل عدة شهور، أكد وزير الدولة للشؤون الخارجية أنور بن محمد قرقاش، أنه كان من الخطأ إقصاء سوريا من الجامعة العربية، وأن العالم العربي يجب أن يعمل مع دمشق على الفور.

مردود القرار الإماراتي بإعادة فتح بعثتها الدبلوماسية، كان واسع الأثر، فرحبت الحكومة السورية بالقرار الإماراتي، لاسيما أن التوجه الإماراتي سيحفز خطوات عربية أخرى باتجاه عودة السفارات إلى العاصمة دمشق وتفعيل عملها من جديد.

والواقع أن العنوان الأبرز في السياسة الخارجية الإماراتية تجاه الأزمة السورية، كان التوازن والاستقرار، فمنذ بداية الاحتجاجات في سوريا تحفظت الإمارات بشكل عام إزاء التدخلات الخارجية في سوريا، وتبنت مبدأ التدخل الأممي لحل الأزمة، ناهيك عن مدخل الإسهام في جهود الإغاثة الإنسانية، وتوفير الملاذات الآمنة للاجئين السوريين الذين وصلوا إلى الإمارات، والذي يقدر عددهم بأكثر من مائتي ألف سوري، وكذلك الحفاظ على قنوات مفتوحة مع طرفي الصراع لأداء دور الوسيط.

وينطلق الموقف الإماراتي من الأزمة السورية، من مبادئ وقناعات ثابتة طالما ميزت توجهات السياسة الخارجية الإماراتية؛ أولها ضرورة وضع حد نهائي للأزمة يستند إلى حل سياسي شامل، وكان بارزاً تأكيد عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية الإماراتي، منذ مارس 2016، دعم بلاده لجميع المساعي والجهود التي يبذلها مبعوث الأمم المتحدة ستيفان دي مستورا؛ للدفع نحو إنجاح العملية السياسية الكفيلة بإنهاء الصراع والإرهاب الذي دمر سوريا وزعزع استقرار المنطقة برمتها.


وثانيهما العمل المشترك مع القوى الدولية والإقليمية، لمواجهة الجماعات الإسلامية المتشددة، وفي الصدارة منها تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، و"جبهة النصرة"، وغيرها من التيارات الراديكالية التي دعمتها قوى إقليمية مثل إيران، وتركيا التي تحولت إلى ممر آمن للجماعات المسلحة؛ سعياً لفرض أجندتها الخاصة في سوريا.

خلف ما سبق، رفضت الإمارات مبكراً خيار العمل المسلح، والتدخل الخارجي لتسوية الأزمة .

ويرتبط التوجه الرابع، بجهد الإمارات بتقوية محور الممانعة في مواجهة أطماع إيران وتركيا، حتى تصبح دمشق ثقلاً موازياً للسيطرة الإيرانية والتركية المتنامية على شؤون سوريا، وظهر ذلك في محاولة أنقرة عشية عملية "درع الفرات" التي انطلقت في أغسطس 2016، وعملية "غصن الزيتون" في يناير 2018، تتريك المناطق التي سيطرت عليها، وبخاصة عفرين.

ثمة صورة إيجابية للإمارات في الوعي الجمعي السوري بفعل المواقف المساندة لاستعادة الجولان، والتأكيد على حق دمشق في عودتها باعتبارها أراضي تحتلها إسرائيل.

في المقابل انطلق الموقف الإماراتي من الأزمة السورية منذ البداية، من منطلق الحرص على المصالح الإماراتية في سوريا، حيث تقدر الاستثمارات الإماراتية في سوريا بنحو 20 مليار دولار قبل الاحتجاجات، كما شكلت السوق السورية سوقاً مهمة للشركات الإماراتية.

في المقابل، كان هناك ما يقرب من 1178 شركة ومؤسسة سورية حتى العام 2007 تعمل في الإمارات، مقابل نحو 54 شركة إماراتية تستثمر في قطاعات متنوعة وبمبالغ مليارية تعمل داخل الأراضي السورية حتى الوقت الحالي، وفي ظل هذه السوق المعقدة والمتشابكة في سوريا .

والواقع أن السلوك الإماراتي تجاه الأوضاع في سوريا كان محط ترحيب كثير من النخب السورية، التي وصفت الدور الإماراتي- رغم حالة القطيعة- بالمتوازن، وتجلى ذلك في اللقاءات التي جمعت المسؤولين الإماراتيين مع نظرائهم السوريين بعيداً عن صخب الإعلام؛ بحثاً عن حلول جادة للأزمة تضمن تسوية عادلة، وتمنع مساعي القوى الإقليمية لاستغلال حالة ضعف الدولة السورية، لتحقيق أطماعها على حساب مصالح الدولة والشعب السوري.

والواقع أن ثمة عوامل تاريخية واستراتيجية وفرت بيئة مناسبة لإعادة شتل بذور التقارب مجدداً بين الإمارات وسوريا، في الصدارة منها المواقف التاريخية الإيجابية للنظام السوري تجاه قضايا منطقة الخليج عموماً، والإمارات بوجه خاص، فقد كانت سوريا من أوائل الدول التي أشادت بالاتحاد الإماراتي، فضلا عن الموقف السوري الداعم للإمارات في أزمة الجزر الثلاث (أبوموسى، طنب الكبرى، طنب الصغرى)، التي تحتلها إيران.

في المقابل، ثمة صورة إيجابية للإمارات في الوعي الجمعي السوري بفعل المواقف المساندة لاستعادة الجولان، والتأكيد على حق دمشق في عودتها، باعتبارها أراضي تحتلها إسرائيل.

تأسيساً على ما سبق، فإن عودة العلاقات الدبلوماسية بين أبوظبي ودمشق، ستحرم دولا مثل إيران وتركيا من كثافة الاستثمار في الجماعات المؤدلجة والمذهبية التي طالما تشكل وقوداً حيوياً لتأجيج الصراع السوري، كما أنها ستدفع لعودة سريعة لسوريا في حضن محيطها العربي، وهو ما يقلل من تأثير أوزان القوى الإقليمية والدولية التي تسعى إلى تفتيت المنطقة.

خلاصة القول: إن عودة العلاقة ستسهم في تسكين أوجاع الأزمة بين الفرقاء السوريين، باعتبار أن الإمارات تمثل وسيطا نزيها ومحايدا لكل أطراف الأزمة، بجوار تفعيل الدور الإماراتي في إعادة إعمار سوريا التي تقترب من تسوية سياسية تنهي حالة الصراع، وتعيد الأمور إلى وضعها الطبيعي.

تعليقات