اتفاقية ميركوسور مع الاتحاد الأوروبي.. وعود الازدهار تصطدم بمخاوف البيئة
بعد ربع قرن من المفاوضات الشاقة والشد والجذب السياسي والاقتصادي، يدخل الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور مرحلة جديدة من العلاقات التجارية مع توقيع اتفاقية توصف بأنها من الأكثر طموحا في تاريخ بروكسل.
ويعد الاتفاق وعدا بتحرير واسع للتبادل التجاري وفتح الأسواق، لكنه في الوقت نفسه يشعل جدلا حادا داخل أوروبا، خصوصا في الأوساط الزراعية والبيئية، بين من يراه فرصة استراتيجية كبرى ومن يحذر من كلفته الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، بحسب شبكة "فرانس 24" الفرنسية.
وأصبح الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور مرتبطين رسميا باتفاق تجارة حرة، يراه البعض خطوة تاريخية نحو تعزيز النمو والانفتاح الاقتصادي، بينما يخشى آخرون تداعياته العميقة.
فبعد 25 عاما من المفاوضات المتعثرة، وقّعت دول ميركوسور، وهي تكتل اقتصادي أُنشئ عام 1991 ويضم البرازيل، الأرجنتين، باراغواي، أوروغواي وبوليفيا، اتفاقا تجاريا مع الاتحاد الأوروبي يوم السبت 17 يناير/ كانون الثاني، في خطوة أثارت جدلا واسعا داخل القارة الأوروبية.
ويؤدي هذا الاتفاق إلى إنشاء أكبر منطقة تجارة حرة في العالم، تضم سوقا يناهز 800 مليون مستهلك، وهو ما يجعله اتفاقا مفصليا في إعادة رسم خريطة التجارة العالمية.
أهداف الاتفاق ومصدر الجدل
يهدف الاتفاق أساسا إلى تسهيل حركة السلع والخدمات بين أوروبا وأمريكا الجنوبية، غير أن معارضيه، ولا سيما المزارعين الأوروبيين، يحذرون من فتح الباب أمام واردات ضخمة منخفضة الكلفة لا تلتزم بالمعايير البيئية والاجتماعية الصارمة المفروضة داخل الاتحاد الأوروبي.
في المقابل، ترى قطاعات صناعية وتجارية أوروبية عديدة في الاتفاق فرصة استراتيجية لتعزيز الصادرات وتنويع الأسواق.
الإلغاء التدريجي للرسوم الجمركية
ينص الاتفاق على إلغاء تدريجي للرسوم الجمركية على نحو 90% من السلع المتبادلة بين الجانبين، ما يعني حرية شبه كاملة لتدفق المنتجات الصناعية والزراعية والمصنعة. ويهدف ذلك إلى تحفيز التبادل التجاري، وخفض تكاليف الإنتاج والتصدير، وفتح الأسواق الجنوبية أمام الشركات الأوروبية والعكس صحيح.
فتح منضبط للأسواق الزراعية عبر نظام الحصص
بالنسبة للمنتجات الزراعية الحساسة أوروبيا مثل اللحوم الحمراء، والدواجن، والسكر، والإيثانول، والأرز، لا ينص الاتفاق على تحرير كامل، بل يعتمد نظام حصص باستيراد كميات محددة برسوم منخفضة أو معدومة.
ويعد هذا البند الأكثر إثارة للجدل، إذ يمس مباشرة الأمن الغذائي الأوروبي وحماية المزارعين المحليين.
توسيع النفاذ إلى الأسواق الصناعية
يشمل الاتفاق خفضا كبيرا أو إلغاء للرسوم على منتجات صناعية عديدة، مثل السيارات وقطع الغيار والمواد الكيميائية، والأدوية، والنسيج.
ويمثل ذلك فرصة كبيرة للشركات الأوروبية لدخول أسواق كانت محمية تاريخيا، خاصة في البرازيل، لكنه في المقابل يعرّض الصناعات المحلية في دول ميركوسور لمنافسة أوروبية قوية.
فتح جزئي لأسواق الصفقات العمومية
يسمح الاتفاق للشركات الأوروبية بالمشاركة في الصفقات العمومية بدول ميركوسور، في قطاعات مثل البنية التحتية، والنقل، والطاقة والمياه، والتجهيزات العامة.
ويرى مؤيدو الاتفاق أن هذا يسرّع تحديث البنى التحتية، بينما يخشى منتقدوه تهميش الشركات المحلية.
التنمية المستدامة والمناخ وحقوق العمل
ويتضمن الاتفاق فصلا خاصا بالالتزامات البيئية والاجتماعية، من بينها احترام اتفاق باريس للمناخ ومكافحة إزالة الغابات، والالتزام بمعايير منظمة العمل الدولية.
غير أن منظمات بيئية عديدة تنتقد هذه البنود، معتبرة أنها غير ملزمة قانونيا ولا تتضمن آليات عقابية فعالة.
اعتراضات بيئية متصاعدة
تحذر منظمات بيئية من أن الاتفاق قد يؤدي إلى تسريع إزالة الغابات في الأمازون ومناطق أخرى، نتيجة توسع زراعة الصويا والمراعي لتربية الأبقار. وترى هذه الجهات أن الاتفاق يتناقض مع التزامات الاتحاد الأوروبي المناخية، ويبعث رسالة سلبية بشأن التحول البيئي.
من المستفيد داخل الاتحاد الأوروبي؟
- قطاع النبيذ والمشروبات الروحية
يمثل الاتفاق فرصة استراتيجية لصناعة النبيذ الأوروبية، خاصة مع إلغاء رسوم تصل إلى 35% على المشروبات الروحية، و27% على النبيذ.
وترى اتحادية مصدري النبيذ والمشروبات الروحية الفرنسية أن ميركوسور سوق واعدة لتعويض تراجع المبيعات في أوروبا وأسواق أخرى.
- زيت الزيتون ومنتجات الألبان
سيستفيد منتجو الشوكولاتة (رسوم حالية 20%)، والحليب المجفف والأجبان (رسوم تصل إلى 28%).
كما يحمي الاتفاق 344 تسمية جغرافية أوروبية من التقليد، مثل الشمبانيا وبارميجيانو ريجيانو.
- صناعة السيارات
تعد من أكبر المستفيدين، إذ تواجه السيارات الأوروبية حاليا رسوما قد تصل إلى 35% في دول ميركوسور. وإلغاء هذه الرسوم يفتح سوقا يضم أكثر من 260 مليون مستهلك.
- الآلات الصناعية والتجهيزات
ترى الصناعات الأوروبية، خصوصا الألمانية، في الاتفاق فرصة لتعزيز صادرات الآلات الصناعية وتقنيات الإنتاج، والحلول الهندسية والطاقة.
- الكيمياء والصيدلة
يدعم هذا القطاع الاتفاق لما يوفره من خفض الرسوم، وتسهيل حماية الملكية الفكرية، وتوسيع الوصول إلى الأسواق والصفقات العمومية.
من المستفيد داخل دول ميركوسور؟
- اللحوم الحمراء
يعد القطاع الأبرز والأكثر إثارة للجدل، إذ تتيح الحصص التفضيلية وصولا أكبر للحوم البقر من البرازيل والأرجنتين وأوروغواي وباراغواي إلى السوق الأوروبية.
- الصويا والسكر والإيثانول والدواجن
تمثل هذه المنتجات عماد النموذج الزراعي التصديري لدول ميركوسور، ما يجعل الاتفاق مكسبا اقتصاديا كبيرا لها، لكنه في الوقت نفسه يثير مخاوف اجتماعية وبيئية داخل الاتحاد الأوروبي.
