اتفاق «ميركوسور» مع الاتحاد الأوروبي.. صفقة تكشف تراجع النفوذ الفرنسي
على مدى عقود، اعتادت باريس أن تلعب دور القاطرة داخل الاتحاد الأوروبي، مع حرصها الدائم على التمركز في صفّ الأغلبية وصياغة التوازنات الكبرى.
وقالت صحيفة "ليزيكو" الاقتصادية الفرنسية إن التصويت على اتفاق التجارة الحرة مع دول ميركوسور شكل لحظة فاصلة، إذ وجدَت فرنسا نفسها معزولة سياسيًا، في مشهد يعكس بوضوح تضاؤل هامش المناورة الذي كان يتمتع به الرئيس إيمانويل ماكرون على الساحة الأوروبية والداخلية معًا.
اتفاق يوقع على إضعاف فرنسا
وحافظت فرنسا حتى اللحظة الأخيرة على معارضتها لاتفاق التجارة الحرة الذي سيربط الاتحاد الأوروبي بتكتل ميركوسور، الذي يضم الأرجنتين والبرازيل وبوليفيا وباراغواي وأوروغواي، بحسب الصحيفة الفرنسية.
وفي تصويت جرى يوم الجمعة الماضية، صوتت باريس بـ"لا" إلى جانب كل من بولندا والمجر وإيرلندا والنمسا، بينما امتنعت بلجيكا عن التصويت بسبب الخلاف القائم بين إقليمي فلاندر ووالونيا، وهو ما يُعدّ قانونيًا تصويتًا ضد الاتفاق.
وبررت هذه الدول رفضها بالأساس بدوافع تتعلق بالقطاع الزراعي، غير أن عددها لم يكن كافيًا لتشكيل ما يعرف بـ"الأقلية المعطة"، التي تتطلب إما 13 دولة من أصل 27، أو دولًا تمثل أكثر من 35% من سكان الاتحاد الأوروبي (على أن تضم أربع دول على الأقل من مجلس الاتحاد).
أما دول أخرى كانت لديها تحفظات في البداية، مثل إيطاليا ورومانيا وهولندا، فقد تراجعت عنها في نهاية المطاف.
ماكرون: ليست نهاية القصة
رغم الهزيمة السياسية، عبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن أمله في تعطيل الاتفاق في مراحل لاحقة، معتبرًا أن "القصة لم تنته بعد"، ومراهنًا على احتمال رفضه إما من قبل البرلمان الأوروبي أو من خلال محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي.
وبعد أكثر من 26 عامًا من المفاوضات، اجتاز اتفاق التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وأربع دول من ميركوسور (الأرجنتين، البرازيل، باراغواي، أوروغواي) مرحلة حاسمة، إذ صادقت عليه الدول الأعضاء بأغلبية مؤهلة خلال تصويت جرى في بروكسل.
وصوتت 21 دولة لصالح الاتفاق، تمثل مجتمعة 68.7% من سكان الاتحاد الأوروبي، أي أعلى بقليل من عتبة 65% المطلوبة لاعتماده رسميًا.
أما هولندا، فقد قررت دعم الاتفاق رغم الانقسام الحاد داخل برلمانها، بينما عكس امتناع بلجيكا انقسامها الداخلي بين فلاندر المؤيدة ووالونيا المعارضة.
ويمهد هذا الضوء الأخضر الطريق أمام رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين للتوجه يوم 17 يناير إلى باراغواي من أجل التوقيع النهائي على المعاهدة.
ميركوسور.. العقد الذي غيّر موقف إيطاليا في اللحظات الأخيرة
ولم تقتصر كواليس مفاوضات ميركوسور على الخلافات التجارية فقط، بل شهدت أيضًا شدًّا وجذبًا سياسيًا واقتصاديًا بين البرازيل وإيطاليا، تمحور حول مستقبل عقد امتياز شركة الطاقة الإيطالية إينيل في منطقة ساو باولو.
فمسألة تزويد أكبر مدينة في أمريكا الجنوبية بالكهرباء دخلت بقوة في حسابات تأجيل توقيع الاتفاق.
وفي منتصف ديسمبر/ كانون الأول، لم تعتمد رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني فقط على متانة علاقتها بالرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا للحصول على مهلة أوروبية إضافية، بل طالبت أيضًا بالحفاظ على عقد امتياز شركة إينيل في إقليم ساو باولو الحضري.
ويشير تمرير اتفاق ميركوسور–الاتحاد الأوروبي إلى تحول عميق في موازين القوى داخل أوروبا، ففرنسا، التي لطالما قادت دفة التوافقات الكبرى، وجدت نفسها هذه المرة في موقع الأقلية.
وبين رهانات ماكرون على المؤسسات الأوروبية العليا، والمصالح الاقتصادية المتشابكة للدول الأعضاء، يبدو أن هذا الاتفاق لا يعبّر فقط عن انفتاح تجاري، بل عن مرحلة جديدة تتراجع فيها القدرة الفرنسية على فرض إيقاعها داخل الاتحاد الأوروبي.