أوروبا تعزز دفاعاتها بأرقام قياسية.. والعين على أمريكا
تقرير يحذر من أن قمة «الناتو» المقبلة قد تتحول من منصة للاحتفاء بالإنجازات إلى اختبار حقيقي لقدرة الحلف على ترجمة الأرقام لتماسك سياسي.
وبحسب تقرير للمجلس الأطلسي، يتزامن انعقاد القمة في ظل التطورات المتسارعة المتعلقة بما بعد حرب أمريكا وإيران، والتفاهمات بين الجانبين، علاوة على ملف غرينلاند، وخلافات علنية بين الرئيس دونالد ترامب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس.
وفي هذا المناخ المشحون، يسعى الأمين العام للحلف مارك روته إلى تقديم رواية مضادة تدعمها أرقام صارمة، لكن التساؤل الأكبر يبقى: هل تكفي هذه الأرقام لإرضاء إدارة أمريكية محبطة طالما اتهمت الأوروبيين بالتقاعس؟
الإنفاق الدفاعي.. قفزة نوعية
قبل عام، تبنى حلفاء الناتو هدفاً طموحاً بإنفاق 5% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع بحلول عام 2035، وهو ما تجاوز الهدف السابق البالغ 2%.
ووفقاً لمؤشر الإنفاق الدفاعي الصادر عن المجلس الأطلسي، يشهد العام الجاري تسارعاً غير مسبوق في معدلات النمو الدفاعي الأوروبي.
ولم يعد التقدم مقتصراً على الدول الرائدة تقليدياً كالدنمارك والنرويج وليتوانيا، بل امتد ليشمل دولاً كانت متأخرة، وعلى رأسها لوكسمبورغ التي سجلت أعلى نسبة زيادة في الإنفاق خلال العام الماضي.
وفي مفارقة لافتة، احتلت الولايات المتحدة المرتبة الأخيرة من حيث النسبة المئوية للإنفاق، رغم احتفاظها بصدارة حجم الإنفاق الإجمالي، مما يعكس ديناميكية جديدة في توزيع الأعباء داخل الحلف.
الإنتاج الصناعي.. صعود لاعب غير تقليدي
يُعتبر منتدى الصناعات الدفاعية في قمة هذا العام، وهو الأكبر في تاريخ الناتو، منصة محورية لاستعراض كيفية تدفق الإنفاق المتزايد إلى القدرات الفعلية.
وتكشف الرسوم البيانية عن تنامي إيرادات أكبر الشركات الدفاعية، مع تباين في الاستراتيجيات؛ فبينما يستثمر بعض الحلفاء بكثافة في قواعدهم المحلية، يُظهر آخرون كألمانيا تفاوتاً أقل قد يعكس تنويعاً استثمارياً.
غير أن أبرز الظواهر هي صعود شركات غير تقليدية مثل "تيكيفير" البرتغالية المصنّعة للطائرات المسيّرة، والتي حققت نمواً هائلاً، مما يثبت أن الحلفاء يتجهون نحو الابتكار خارج الإطار الدفاعي التقليدي.
في الوقت نفسه، يتجاوز آخرون حدود القارة بالكامل، متجهين إلى شركاء عبر المحيط الهادئ ككوريا الجنوبية واليابان، إلى جانب الاعتماد على الصناعة الأمريكية والأوروبية، لسد الفجوات في القدرات الملحة.
دعم أوكرانيا
تعود أوكرانيا بقوة إلى جدول أعمال القمة بعد حضورها الخافت العام الماضي، مع تركيز خاص على آلية "قائمة متطلبات أوكرانيا ذات الأولوية" التي يديرها الناتو.
ومثّلت هذه الآلية انتصاراً سياسياً كبيراً لروته في يوليو/تموز 2025؛ إذ كبحت محاولات واشنطن لوقف تدفق الأسلحة إلى كييف، ومهدت الطريق أمام الحلفاء الأوروبيين لشراء معدات دفاعية أمريكية لأوكرانيا.
وقد تجاوزت التعهدات لهذه الآلية 5.5 مليار دولار في أقل من عام، بقيادة النرويج كأكبر مساهم، مع مشاركة متزايدة من شركاء منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وفي أنقرة، يخطط روته لتطوير إطار تمويل مستدام يشمل توفير المعدات والتدريب وأنظمة الدفاع الجوي، في خطوة تهدف إلى ترسيخ الدعم الأوكراني كأولوية استراتيجية طويلة الأمد ودليل واضح على نقل الأعباء.
ورغم هذه الأرقام القياسية التي تظهر أن أوروبا بدأت أخيراً في تنفيذ ما طالبت به واشنطن، فإنها قد لا تكون كافية لامتصاص غضب الرئيس ترامب.
وهنا يجد روته نفسه أمام مهمة مضاعفة في أنقرة: ليس فقط عرض الحقائق الكمية، بل ترجمتها إلى حجة سياسية مقنعة قادرة على لملمة التصدعات في جدار التحالف، وإثبات أن التضامن الأطلسي لا يزال قادراً على الصمود رغم العواصف السياسية المتلاحقة.