مرض ينتقل للإنسان.. أول توثيق لبكتيريا داء البروسيلا في كلاب مصر (خاص)
في قلب الجدل الدائر حول الكلاب الضالة في مصر ، خرجت نتائج دراسة جديدة لتفتح ملفا حساسا يمتد من الطب البيطري إلى الصحة العامة مباشرة.
ووثقت دراسة أعدها باحثون من كلة الطب البيطري جامعة القاهرة ونشرت بدورية" بي إم سي مايكروبيولوجي"، أول وجود لبكتيريا البروسيلا في الكلاب داخل مصر.

الدراسة التي شملت 785 كلبًا خلال عام 2024 لم تكن مجرد مسح روتيني، بل محاولة دقيقة لتتبع بصمة مرض يُعرف عالميًا بقدرته على الانتقال بين الحيوانات والبشر.
لكن المفاجأة لم تكن فقط في وجود الميكروب، بل في تنوعه، إذ رصد الباحثون بروسيلا ميليتينسيس ، المعروف بخطورته العالية على الإنسان، إلى جانب "بروسيلا كانِس" التي سُجلت لأول مرة في الكلاب المصرية.
الأكثر إثارة في النتائج أن جميع التحاليل المصلية جاءت سلبية، رغم أن الزراعة البكتيرية والتقنيات الجزيئية أثبتت وجود العدوى.
هذه المفارقة العلمية دفعت الباحثين إلى إعادة التفكير في كفاءة أدوات التشخيص التقليدية، خصوصًا في الحالات المزمنة أو الموضعية التي قد تمر دون أن تترك "بصمة مناعية" واضحة.
وفي هذا السياق، يوضح د. مصطفى الشافعي، استشاري الأوبئة البيطرية ، أن هذه النتائج "تعكس فجوة معروفة في تشخيص البروسيلا لدى الكلاب، حيث يمكن للحيوان أن يكون حاملًا للبكتيريا دون استجابة مصلية يمكن رصدها بسهولة".
ويضيف الشافعي في تصريحات لـ "العين الإخبارية": "ما هو مهم في هذه الدراسة ليس فقط اكتشاف "بروسيلا كانِس" لأول مرة، بل إثبات أن الاعتماد على التحاليل المصلية وحدها قد يعطي انطباعًا زائفًا بالأمان. وجود البكتيريا في الأنسجة التناسلية تحديدًا يعني أن هناك دائرة انتقال صامتة قد لا ننتبه إليها إلا باستخدام أدوات جزيئية دقيقة".
الدراسة لم تتوقف عند حدود الاكتشاف، بل ذهبت إلى تحليل البصمة الجينية للسلالات، كاشفة عن تعدد في الأنماط الوراثية وانتشارها في عدة مناطق داخل القاهرة، من المعادي إلى شبرا ومدينة نصر. هذا التوزيع الجغرافي يشير، بحسب الباحثين، إلى انتقال غير مركزي للعدوى، وربما تداخل بين الكلاب الضالة والبيئة المحيطة بالحيوانات الزراعية.
ويحذر الشافعي من قراءة النتائج بمعزل عن السياق الأوسع للصحة العامة، وهي أن "الخطر الحقيقي ليس في الأرقام وحدها، بل في طبيعة المرض نفسه، فالبروسيلا مرض يمكن أن يصيب الإنسان، وغالبا ما يتم تجاهله سريريا في بدايته. وجوده في الكلاب الضالة يعني أننا أمام حلقة محتملة في سلسلة انتقال لم تُفهم بالكامل بعد".
وتخلص الدراسة إلى أن اكتشاف "بروسيلا كانِس" في مصر للمرة الأولى يمثل نقطة تحول في فهم انتشار المرض، لكنه في الوقت نفسه يفتح بابا لأسئلة أكبر: إلى أي مدى تشارك الكلاب في الحفاظ على هذه البكتيريا في البيئة؟ وهل نحن أمام مرض أكثر انتشارًا مما كان يُعتقد سابقًا؟

وبين الاكتشاف والتحذير، تقف هذه الدراسة لتؤكد أن الكلاب ليست مجرد جزء من المشهد الحضري، بل قد تكون أيضا جزءا خفيا من معادلة صحية معقدة تتطلب مراقبة أدق، وأدوات تشخيص أكثر تطورا ، ورؤية "صحة واحدة” تجمع الإنسان والحيوان والبيئة في إطار واحد.